Spot de la 11ème édition du Festival FNFAS

FNFAS 11 - reportage - ملخص الدورة 11

افتتاح المهرجان الوطني لفيلم الهواة في نسخته 11 بسطات

فاتن هلال بك  خلال مهرجان سطات لفيلم الهواة

الدورة 3 لمهرجان وجدة الوطني لفيلم الهواة

Le tempo oublié - الإيقاع المنسي

وثيقة لإدريس المرني حول العربي بنمبارك سنة 1985

لقاء تأطيري حول الأندية السينمائية المدرسية

ميلاد الفيدرالية المغربية لسينما الهواة على إذاعة طنجة

Création de la Fédération FMCAM

Films "Panorama et Compétition" du FNFAS 10

Résumé 10ème Edition en 14 mn

Spot de la 10ème édition du FNFAS

المطربة نادية أيوب خلال المهرجان الوطني لفيلم الهواة بسطات

Le Festival (FNFAS 10) les 2 premiers jours

diaporama de la 10ème édition du Festival - FNFAS

كلمة نور الدين الصايل في افتتاح الدورة 4 (2010) لمهرجان سطات

  تكريم حسن إغلان خلال الدورة 3 للمهرجان الوطني لفيلم الهواة بسطات سنة 2009

Reportage FITUC 2016

 من فنون الفرجة على أمواج إذاعة طنجة : الفضاء في السينما

6 أشرطة تلفزية لأحمد مدفاعي (قناة الرياضية)

 

الصايل يتحدث عن أهمية التراكم في السينما

Clôture du FNFAS 9 - اختتام الدورة 9 للمهرجان

 

إعلان الدورة 9 للمهرجان - َSpot 9ème Edition

الرجل الهادئ فيديو نكريم محمد ولد دادة

سينما الهواة اليوم بالمغرب على أمواج إذاعة طنجة

Documents vidéo :Truffaut et Nouvelle Vague Française

شكاوى الفلاح الفصيح لشادي عبد السلام

Bande annonce film ayant obtenu le lion d'Or à Venise (2014)

Lien vers "Liner"  1er Prix à Klibia en Tunisie 2014

حاتم عبد الغفورفي دور السلطان العثماني محمد الفاتح

FNFAS 8 vu par Fred Graber

الدورة 8 لمهرجان سطات في برنامج شاشات

Spot de la 8ème Edition du  FNFAS

Vidéo Med Lytim (hommage FNFAS 8)

Kaurismaki vu par des cinéates en 7 mn

L'acteur de western spaghetti Giuliano Gemma est mort

نور الدين الصايل في برنامج ضيف الأحد

 

أرشيف الفيديوهات - Archive des vidéos

 

 

 

 

Pour contacter CineSett

Tel : 06 67 26 01 41 

Fax : 05 23 40 34 30 

Mail : contact@cinesett.com

أخبار و مقالات سينمائية
" جوع كلبك ": عندما يبكي الشعب الحاكم المتحكم

عبد الإله الجوهري

 

العنوان ودلالته

"جوع كلبك"، عبارة مقتطعة، من مثل عربي شهير يردده المغاربة في التعبير عن ضرورة تجويع التابع / الكلب، وجعله يلهث من شدة المسغبة، إن كنت تريده التعلق بك والتملق لك، لكي تمنحه كسرة خبز يسد بها رمقه، الكلب إذا شبع ترك صاحبه، وراح يلهوبعيدا ناسيا متناسيا، كرم صاحبه وسلطته عليه.. (1)

هشام العسري، يفتتح شريطه، بمشهد إمرأة فقيرة تحتج وتشكو الحال، حال الفاقة والحاجة والمسكنة، الناتجة عن الأوضاع الاقتصادية والإجتماعية والسياسية للبلد،  شكوى ستتغير في نهاية الإحتجاج بترديد جملة خارجة عن سياق الشكوى، جملة ترفع من شأن الحاكم وتمجده بشكل لا عقلاني، معتبرة إياه، الشخص الوحيد الموجود، الخادم الأوحد بهذا البلد.

 الجملة التي ترددها المرأة، تلخص لنا بشكل مباشر، مفهوم عنوان الفيلم وتضعنا مباشرة،على سكة الفهم الصحيح للفيلم، جملة تحيلنا على مشهد دال من مشاهد الفيلم الروائي الطويل الأول لهشام العسري المعنون ب " النهاية "، مشهد الإعلان عن موت الحاكم المتحكم، وخروج الجموع الشعبية للشوارع باكية نادبة حظها، بسبب رحيله وخسارة قوة وجوده، حاكم إرتبطت مرحلة حكمه بإنعدام الحريات العامة، والضرب بيد من حديد، كل من سولت له النفس الجهر بالمعارضة والرفض، وإختطاف اليساريين المتمردين ودفن بعضهم أحياء، هي مرحلة ما يسمى، في الأدبيات السياسية والحقوقية المغربية بسنوات الرصاص. فالعاهرة التي تبيع جسدها وكرامتها على الرصيف بشكل مذل، تصاب بحالة انهيار شديد، وهستيريا غير معقولة، وهي تردد " أربي شنوغادي ندير،  شنوغادي يوقع لينا " ( يا الله ماذا سأفعل، ماذا سيحل بنا )، راكضة في كل الإتجاهات على غير هدى. الشعب المتعود على القهر، يحس باليتم القاهر، عندما يرحل عن دنياه حاكمه المبجل.

الفيلم وعوالمه

في فيلم " جوع كلبك " لا يخرج هشام العسري عن عوالمه الأليفة، عوالم القهر والفقر والتسلط، والعيش على إيقاع الذكريات المظلمة المأفونة، ذكريات سنوات الرصاص والتسلط الأعمى، لرجل كان فيما مضى وزيرا للداخلية إسمه إدريس البصري، وزير بصم مسار المغرب ببصمته الخاصة، من خلال ترويضه النفوس المتمردة، وتغييب من استعصى على السمعة والطاعة، وراء الشمس والجدران العالية، وكتم أنفاس الطاقات المتحررة الساعية للبحث عن حزمة من النور والحرية، سنوات من التسلط الأعمى، بإسم الأمن والأمان وحفظ وحدة المغرب والمغاربة ، لكن نهايته جاءت بئيسة مذلة، بعد رحيل  السلطة والجاه وموت السيد، الذي منحه كل الإمتيازات والسلط ، وليجد نفسه في النهاية، يمضغ أحزانه ويعيش على ذكريات قوة ماضية سلبت منه، يعيش ممزقا مترددا خائفا،  دون قوة أوجاه أومجد، انفضت من حوله جموع التملق، ورحلت فرق التمسح والتسول، محاطا بكثرة المتربصين والأعداء وطالبي الثأر وتنكر وهروب الأصدقاء.

صحفية تريد إجراء حوار معه، تريد سبر أغواره النفسية وتوثيق ذكرياته السياسية، لكنها تجد نفسها رفقة فريق التصوير، في مأزق الواقع المهني، البعيد عن الحرفية، ورجل يعيش على الأوهام والهلوسات المهزوزة، البعيدة عن منطق التسجيل والتوثيق، القادرة على إفادتنا بشهادات تخدم روح عصرنا، وتجعلنا نتجاوز عذاباتنا المغربية الماضية، الموغلة في الذكريات الضاغطة، على الصدور والنفوس، ذكريات تحضر عند كل الشخصيات المتواجدة داخل أستوديوالتصوير، متجلية في سلوكياتها العدوانية الموروثة عن عصر لا زالت آثاره بادية واضحة ، عدوانية ولا مهنية، عايناها في  الفيلم الروائي الثاني لهشام العسري " هم الكلاب "، مما يجعلنا نفهم أنه بصدد تقديم أفلام متتالية  متقاطعة من حيث الإشتغال على تيمات واضحة لمغرب اليوم، مغرب " النماء " و" التقدم " و"الإزدهار" كما تردد في الجرائد والقنوات والإذاعات الرسمية.

تبقى ملاحظة أخيرة، نتفق شكلا ومضمونا حولها، ملاحظة أوردها الناقد السينمائي الأستاذ أمير العمري في مقالة له عن الفيلم، تتعلق بمدى تجاوب المتفرج غير المغربي مع قصة إدريس البصري، قصة لا يعرفها فصولها إلا المغاربة، وبعض المهتمين بالعوالم السياسية،  ولا يمكن أن تكون مادة تهم، الذين لا يعرفون من تكون هذه الشخصية الإشكالية في تاريخ المغرب المعاصر، اللهم الاستفادة من عبر الزمن الغادر المطيح بالقامات المتعالية.

 الرؤية الفنية والتقنية

هشام عود عشاق منجزاته السينمائية ورافضوها، في نفس الآن، على أسلوبه المخالف في الحكي ومسك الكاميرا بطريقة مختلفة، ووضعها في أماكن لا توضع عادة فيها، وترويضها لسرد ما يحكى وما لا يحكى، بطريقة لا تسرد غير القصص المبعثرة، وعوالم الشخصيات المهلهلة، مثلما تقدم رسائل مشفرة وأخرى جد واضحة، عن واقع مغربي، لا نجده إلا في الأحياء القصديرية الهامشية، والأقبية السجنية المظلمة، والشوارع الخلفية  المعتمة، واللحظات الإنسانية السوريالية المفارقة للواقع، لحظات لا يجد فيها الإنسان نفسه إنسان، بل " حيوان" خاضع للتدجين والتسلط والقهر، من خلال رؤى تقنية عصية على التصنيف والحصر في خانة محددة.

 

المخرج هشام العسري

الناقد محمد اشويكة  يقول عن أسلوب العسري السينمائي، انه مخرج " يمتح من السينما المستقلة، وحركة "دوغما"  في الدانمارك، والواقعية الجديدة، والسينما السياسية، وسينما التجريب، والموجة الجديدة، وغيرها من التيارات والإتجاهات الفنية التي تجاوزت الرؤى المحنطة لسينما الأستوديو وسينما النجوم"،  لكنني أعتقد أن هناك نوعا من المبالغة في إعتبار أسلوب العسري السينمائي، تجميع لكل هذه الأساليب، وإشتغال عليها وبها، لصنع سينماه الخاصة.

 العسري بالنسبة لي، مخرج يمتلك اسلوبه الخاص، قد يكون متقاطعا مع أساليب ومدارس سينمائية عالمية، لكنه تقاطع وحضور غير مرئي، تقاطع وحضور وهمي، غير مؤسس على جماليات محددة  بخلفيات مضبوطة أومرجعيات متداخلة، اللهم " فلسفته " الخاصة المتمردة، في كسر المفاهيم السينمائية المعروفة، والتلاعب بالكاميرا وقلب الكادرات وجعل الأزمنة متداخلة.

 صحيح انه في كل فيلم يجرب ويبحث ويستفز، لكنه تجريب وبحث واستفزاز من داخل أشكال الحكي المغربي التراثي والمعيش اليومي للشباب المهمش في الأحياء الهامشية، والناس البسطاء في القرى المرمية، وجموع المعتوهين والسكارى في المطارح والأزقة الخلفية، والخارجين عن الحق والقانون وقيم المجتمع وأعرافه المتكلسة المتحجرة.

أسلوبه السينمائي المختلف المتوحد في نفس الآن، مع الأساليب التي وظفها في أعماله السابقة، لا يسعف الجمهور الواسع، ولا يلبي حاجيات المتفرج الأعمى بصرا وبصيرة، ولا يرضي عشاق الرسائل المباشرة، الباحثين عن المشاهدة المكتسبة من الأفلام التجارية الفجة، بل يخاطب الأفئدة اليقظة، والنفوس المتوهجة، الباحثة عن معاني أخرى فيما ترى في الواقع، وما تستقبل من صور على الشاشات السينمائية، مثلما يدفع للبحث ومحاولة إستكناه تاريخ المقهورين، وحكايات الجبابرة المتنفذين والمستفدين ز المختبئين وراء سلطهم الزائفة، سلط  اكتسبوها بالفهلوة أوبمكر الصدفة.

في الختام

يقول كروتشي: " الفن هو الحدس، وأن كل حدس لا بد أن يكون تعبير، وأنه لا يمكن فصل احدهما عن الآخر"، وفيلم جوع كلبك حدس حقيقي وتعبير عن مكنونات تاريخية لم يعد يلتفت لها أحد، رغم قربها زمنيا من زماننا، نعيش آثارها القائمة بقوة التسلسل والضغط الإقتصادي والسياسي والإجتماعي، وإن كان بشكل أكثر مرونة و ذكاء، لكن مشاهداتنا لا تسمح لنا بتوقع ما سيحدث، بل نعيش توترا نفسيا خاصا، توتر لا نعرف مصدره ولا يتركنا نعيش اللحظة في نشوتها السينمائية، بل نشوة ممتدة إمتداد آلام البشر، نخرج بعد نهاية الفيلم ونحن لم نعد كما كنا.

سألني هشام العسري، ونحن نتبادل اطراف الحديث في مواضيع عدة، واخبره أنني شاهدت فيلم "جوع كلبك" في عرض خاص من تنظيم جمعية سينمائية بمدينة الرباط، ما رأيك في الفيلم ؟ "، أجبته بكثير من الإرتباك والصدق "والله، لا اعرف لحد الساعة، هل فيلمك فيلم ممتع، أم مجرد هلوسات وقضاء للوقت والقدر".

 فعلا، هي كذلك الأفلام المختلفة فنيا وتقنيا ورؤية للعالم والوجود، تتركنا خارج سياقات الفهم والقناعة والمرجعيات الثقافية والفنية.

(1) " جوع كلبك يتبعك " مثل عربي شهير

ويروى، أجع كلبك. وكلاهما يضرب في معاشرة اللئام، وما ينبغي أن يعاملوا به. قال المفضل: أول من قال ذلك، ملك من ملوك حمير، كان عنيفاً على أهل مملكته، يغصبهم أموالهم، ويسلبهم ما في أيديهم. وكانت الكهنة تخبره أنهم سيقتلونه فلا يحفل بذلك. وإن امرأته سمعت أصوات السؤال فقالت: إني لأرحم هؤلاء لما يلقون من الجهد ونحن في العيش الرغد، وإني لأخاف عليك أن يصيروا سباعاً وقد كانوا لنا أتباعاً. فرد عليها: جوع كلبك يتبعك. وأرسلها مثلاً. فلبث بذلك زماناً، ثم أغزاهم فغنموا ولم يقسم فيهم شيئاً، فلما خرجوا من عنده قالوا لأخيه وهوأميرهم: قد ترى ما نحن فيه من الجهد، ونحن نكره خروج الملك منكم أهل البيت إلى غيركم فساعدنا على قتل أخيك واجلس مكانه، وكان قد عرف بغيه واعتداءه عليهم فأجابهم إلى ذلك، فوثبوا عليه فقتلوه. فمر به عامر بن جذيمة وهومقتول، وقد سمع بقوله: جوع كلبك يتبعك. فقال: ربما أكل الكلب مؤدبه إذا لم ينل شبعه. فأرسلها مثلاً.

 

http://www.eyeoncinema.net/

الخميس 17 مارس 2016 19:05:00

 
ثيو أنجيلوبولوس: الجيل الذي أنتمي إليه هو الذي حاول تثوير السينما

تقديم وترجمة : سعيد منتسب

على مدار أربعين عاما، وقبل رحيله التراجيدي في فبراير 2012 (صدمته دراجة نارية مسرعة في موقع تصوير آخر فيلم له «البحر الآخر»)، ظل ثيو أنجيلوبولوس مصرا «على روح المغامرة السينمائية الكبرى التي سطرها بلحمه ودمه وبكاميرته الجامحة والمخترقة لأقانيم الماضي السحري والغرائبي والبطولي، ولأسوار وحدود الراهن المقلق والمشمول ببؤس الإنسان وضراوة الأقدار ووحشية الأنظمة وصرخة الاقتصاد المنتحر في المحيط الشرس للرأسمالية ورصيدها الخاوي من الرحمة».


ولد أنجيلوبولوس في أثينا عام 1935، والتحق باريس لدراسة فنون السينما في معهد الدراسات السينمائية العليا ، ليعود إلى اليونان ويعمل ناقدا سينمائي في صحيفة «ديلي ألاجي» قبل إغلاقها بمجيء الدكتاتورية العسكرية التي اشتبهت في الميول اليسارية لمحرريها. 

وبعد سلسلة من الصدمات ومضايقات الرقابة والانتكاسات الاجتماعية والوظيفية، ورحيل أغلب زملائه السينمائيين الذين كانوا يحملون تصورات ثورية نحو فرنسا وألمانيا، دخل أنجيلوبولوس في مغامرة الإخراج من خلال أفلام قصيرة تحاول التمرد على السائد من خلال كتابة مختلفة. غير أن الانتباه إليه لم يأت سوى مع فيلمه الروائي الطويل الأول «إعادة بناء» (1970)، وذلك من خلال التحكم البصري في مفاصل القصة المروية، وأيضا من خلال توتر الحبكة في تشعبات السرد الروائي. فكان هذا الفيلم هو منطلق «السلسلة المتشابكة للتجربة الواحدة» التي عرف بها هذا المخرج الذي استند على أسلوب فني ذي بصمة إخراجية خاصة، ليخرج «أيام الـ 36» (1972)، «الممثلون الجوّالون» (1975)، «الصيادون» (1977)، «الإسكندر الأكبر» (1980)، «رحلة إلى كيثريا» (1982)، «مربي النحل» (1984)، «منظر في الضباب» (1988)، «الخطوة المعلقة لطائر اللقلق» (1991) و»نظرة عوليس» (1994)، «الأبدية ويوم» (1998)، «المرج الباكي» (2004)، «غبار الزمن» (2008)..

يشتغل ثيو أنجيلوبولوس «على المزج بين الشعر والأسطورة، انطلاقا من واقع سردي يرفض الانصياع لشرط الواقعية الصارم، لأن الأحلام والاستيهامات المنتشية يمكن أن تخلق وطنا آخر للمحرومين والبؤساء والمفجوعين الذين تحرروا من آلامهم، واختار العيش في أرض الأفكار والخيالات الملونة والمحلقة نحو فراديس الطفولة وحدائق المستقبل المعلقة في سماوات قريبة وملموسة وواضحة حد اليقين».
في ما يلي الدرس السينمائي الذي ألقاه هذا المخرج الذي لقبه البعض بـ «شاعر السينما الملحمية» في مهرجان كان السينمائي سنة 1999.

يوجد في حياتي يوم استثنائي. كان ذلك في العام 1962 في معهد الدراسات السينمائية العليا، حيث كنت تلميذا. كان علي أن أقوم بأول تقطيع لي، على السبورة، وأن أصوره. جئت متأخرا. طبعا، كنت خائفا، كما الآن. طلبت سيجارة. كان الأستاذ جامدا وشاحبا، لأنني تأخرت، ولأنني طلبت سيجارة، ولكل هذا.. أخذت طبشورا ورسمت على السبورة دائرة. قال لي:

ما هذا سيدي

قلت له:بانوراما من 360 درجة.

قال لي : هذا هو تقطيعك؟

أجبته : نعم

فصاح في وجهي : سيدي، اذهب، لبيع العبقرية في اليونان

حاولت أن أشرح له أن المدرسة خلقت من أجل التعبير والذهاب إلى ما وراء المعنى، وضد المعنى. كان حاسما. ولهذا، كنت في نهاية السنة، مقصيا من المدرسة. ناداني المدير وقال لي :

السيد أنجيلولوبلس، أرى أنك مستعد للتصوير، أنت لا تحتاج إلى مدرستنا، ولكن عندما تعود إلى بلادك، لا تمر مباشرة إلى الفيلم الطويل، صور، قبل ذلك فيلما قصيرا..

لم أتبع هذه النصيحة، وبدأت بفيلم طويل.. والذي تخليت عنه بعد عشرين يوما. كان محقا. كان علي أن أبدأ بفيلم قصير. فقمت بإنجاز فيلم قصير هو فيلمي الأول. لكن تجربتي في معهد الدراسات السينمائية العليا لم تكن فقط سلبية. يمكننا أن نتفق مع الأستاذ الذي يعطي الدروس أو لا نتفق، لكن التواجد في مدرسة حيث الحديث عن السينما من الصباح إلى المساء، هذا هو الأمر الأهم.

الغريب أن ذلك وقع في مرحلة بدأ فيها «التسييس»، كل شيء أصبح سياسيا. كنا في أواسط الستينييات. وكان إنزنشتاين أنذاك هو الأستاذ الكبير المثير للإعجاب. ومع ذلك، لم تكن سينما المونطاج هي التي تثير اهتمامي.. لم يكن ذلك مطلقا ما كنت أبحث عنه.. كنت بحاجة إلى أن تستغرق اللقطات وقتا أطول. فكلما شاهدت فيلم مونطاج، وربما هذه نظرتي الخاصة، كنت بحاجة إلى أن تدوم اللقطات لثانيتين أكثر. ولهذا، أثرت في أفلام أنطونيوني الأولى بشكل كبير. فالحركة تنتهي، ومع ذلك هناك بضع ثوان أخرى، ثوان زائدة، يمكن لأي موضب في العالم أن يقطعها، لكن أنطونيوني أبقى عليها في فيلم «المغامرة» Avventuraعلى سبيل المثال. وهذا هو الشيء المهم بالنسبة لي. ولهذا، عندما التقيت أنطونيوني للمرة الأولى، قلت له بأنني اشتريت لتوي التذكرة الثالثة عشر لدخول فيلم «المغامرة». فصحيح أننا في تلك المرحلة كنا نقول:

سنذهب لتناول جرعة من أنطونيوني..

لم يكن هو الوحيد، كان هناك أيضا أورسن ويلز، بلقطاته- المقطعة الرائعة. هناك مورنو في فيلم «آخر الرجال»، مع لقطة/ مقطع رائعة في البداية. إذن، منذ البداية راهنت على تنفس مختلف عن الموجود في أفلام المونطاج، وفي أغلب الأفلام التي يقال عنها «طبيعية». وهو ما يفرض تعاملا مختلفا مع الزمن. فليس صدفة إذا كانت تسمى السينما التي أريد أن أصنعها «سينما الزمن».

عندما عدت إلى اليونان، ودائما في أواسط الستينيات، كانت هناك سينما تجارية، مع قصص درامية، وميلوديات وأغان.. أردت أن أقوم بشيء آخر. في الواقع، في تلك المرحلة، لم أكن الوحيد: ناس آخرون كانوا يريدون القيام بشيء آخر، وهذا هو جيلي الذي قام بالقطيعة مع السينما القديمة، أولا عبر النقد، والمجلات والجرائد، ثم الانتقال إلى الإخراج. لكننا لم نكن نتوفر على الوقت الكافي بحلول الدكتاتورية. هذا الجيل تفرق، وتمت التضحية به. الكثيرون توجهوا إلى فرنسا، بينما ذهب آخرون إلى ألمانيا، أو إلى مكان آخر. أنا بقيت. وأحيانا أتساءل: «لماذا بقيت؟». كنت أعتقد بصدق أن وسيلتي الوحيدة للتعبير هي أن أنجز أفلاما في هذا الموقع. ففي مرحلة الدكتاتورية، ينبغي أن نحاول إنجاز أفلام ضد النظام. أن نخترع لغة «غير مباشرة»، لغة «اللامعقول» تكون نقدية، وهذا هو أساس فيلم «أيام 36» الذي تم تصويره في 1972. وبعد ذلك، لم يعد الأمر ممكنا. لم يعد بإمكاني أن أستمر في الاتجاه نفسه، فقررت أن أكون في قلب المواجهة النقدية: أخرجت رحلة الممثلين ثلاث سنوات بعد ذلك، من جهة أخرى، كانت هذه المرحلة رائعة، كان لدينا انطباع أن هناك معنى لم نفعله، أن السينما هي نحن، وأننا سنغير السينما. أعتقد أن جيلي، وليس فقط في اليونان ولكن في العالم أجمع، هو الذي حاول تثوير السينما.
غالبا، نعتقد بأن أفكار الفيلم تأتي من بعيد. قبل أيام كنت في غرفة الإنتاج، وكنت أقوم بمشاهدة التسجيلات. كنت أشاهد سرا فيلما وأفكر في الفيلم القادم.. وفجأة، خطرت لي فكرة، هكذا، كما لو كانت هبة ريح. هاتفت متعاونا، وقلت له : لقد واتتني فكرة..

سألني : كيف واتتك هذه الفكرة؟

وفي اللحظة التي كنت أحدثه، لم أكن أعرف، وحين فكرت في ذلك بعدئذ، فهمت أن كل واحد منا يتوفر على «خزان»، انطباعات ومحاورات وكتب قرأناها وأشياء رأيناها وحكايات رويت لنا، خزان من كل شيء ولا شيء، حركات وقصص مرويات ومواقف.. وهذا يتراكم هكذا. وفجأة، ولسبب مجهول، هناك شيء يخرج من السواد، يطلب الوجود، ويفرض حضوره. وهنا، تأتي الفكرة..
الفكرة الأساسية للفيلم ليست وعدا. ستتغير خلال مراحل إعداد المشروع، حتى قبل الوصول إلى السيناريو. وكل هذا الإعداد يتم داخليا وفكريا. عادة، أنا أحكي قصصي لمعاونيَّ الاعتياديين، وأنصت إليهم، أستقبل انطباعاتهم، وردود أفعالهم. فهم أول من يستمع إلي، وردود أفعالهم تساعدني كثيرا على تحديد ما أريد قوله. وانطلاقا من هذه القصة، أغيرها وأمنحها كثافة أكثر. أحاول أن أجعلها أوضح لتمر إلى الآخر. أقوم بمجهود للإيضاح. إنه نوع من «البيغ بونغ». فعندنا أصل إلى فكرة فيلم أرى أنها ناضجة تقريبا، حينئذ فقط أشرع في الكتابة.

لأعمل، يلزمني أن أتوفر على المادة، أن يكون الديكور، فيزيائيا، حاضرا وحقيقيا. أحتاج إلى كل هذا حتى لا أذهب بعيدا، وحتى لا تنفلت مني أفكاري.وهذا معناه أنه ينبغي أن ألامس الحقيقي، وأن أقبض عليه في نظرتي. ثم إنه ليس هناك في اليونان تقليد الاستوديو. كان ذلك في السينما التجارية، لكنها كانت ديكورات بدائية جدا، وبسيطة. ولهذا فمن الصعب جدا، ومن الباهظ الثمن، صناعة الديكورات. ونظرا، لأن ميزانية أفلامي متواضعة نسبيا، كان من الضروري الرهان على الديكورات الطبيعية. وهذا اختيار وضرورة في الوقت نفسه.

أحب كثيرا، أثناء التصوير، تشييد ديكور في الطبيعة، في الواقع، أن أجعل الاصطناعي يجاور الحقيقي.، مثل تلك الحدود الغريبة في فيلم «الأبدية ويوم». أحيانا أستعمل شيئا ليست له علاقة بالواقع الموجود. مثلا، أستعمل غالبا الخرائب وأشيد فيها الديكور. فمثلا، كانت المكتبة السينمائية في فيلم «نظرة عوليس»، مجرد مكان مهجور، مكان خرب بالفعل.. ثم شيدنا ديكورا كاملا هناك. من الإضاءة إلى الأشياء، من هذه إلى تلك.. في نهاية «الأبدية» شيدت ديكور المنزل على شاطئ البحر، لأنه الديكور الحقيقي لم يكن هناك بحر. وداخل المنزل، غيرت أيضا كل شيء، الألوان، الأثاث، ترتيبات الأمكنة.. تغييرا كاملا. إنه فضاء بين الاثنين: ليس استوديو لأننا في الطبيعة، ومع ذلك إنه ديكور. إنه بالفعل كما لو كنت أستعمل الحقيقي كديكور أستوديو.
أتدخل خصوصا على مستوى الألوان.. أحيانا أغير العديد من الألوان. أقوم بتحضير الألوان التي في رأسي، لأن عرض الألوان هو شيء شخصي.. وأفعل هذا أيضا من أجل مناخ أو زمن اللقطة. إنها ليست حركات الخارج نحو الداخل، بل إنها حركات ذاتي نحو العالم الخارجي، عرض عالمي الشخصي على الطبيعة. أحاول أيضا أن تكون الإضاءة خفية إلى أكثر حد ممكن، وأن أحاكي الإضاءة الطبيعية، تلك التي توجد في مكان معين. وذلك لأجعل الانطباع أكثر قربا من الواقع. أما بالنسبة للأجواء، ومناخ المتوالية، والإنارة الداخلية للقطة، فهذا اختيار تساهم فيه كل عناصر الفيلم، ويبقى قراري هو الحاسم.
اشتغلت مع ممثلين أكثر صعوبة من مارسيلو ماستروياني أو هارفي كيتيل. فمشكلة سينما اليوم هو أننا غالبا مضطرين للعمل مع ممثلين معروفين، أي يتوفرون على تجربة، ولديهم ماض، وطريقة خاصة لمقاربة السينما، وغالبا عادات تختلف من الواحد إلى الآخر. والصعوبة هو أن تخلق التوازن بين لعب هؤلاء الممثلين ومساهماتهم. في فيلم «نظرة عوليس»، على سبيل المثال، الممثلون ينحدرون من جميع أنحاء العالم: الولايات المتحدة، السويد، إيطاليا، روسيا، ألبانيا، يوغوسلافيا، اليونان.. إنها فعلا مدارس للتمثيل والسينما مختلفة جدا.. طبائع- يمكنني أن أقول حرارات- مختلفة. في هذه الحالة، على المخرج أن يكون حربائيا وأن يذهب مع كل واحد محاولا أن يوازن بين الأمزجة وأن يأخذ كل الممثلين إلى مستوى لن تكون فيه هذه التعددية حملا ثقيلا بل موردا. وهذا يهم بالدرجة نفسها الممثلين والمخرج: كيف يمكن أن تكون ما على وجه الدقة ذلك الذي يطلبه الفيلم؟ بأي طريقة، وبأي وسيلة، وبأي عمل يمكن للممثل أن يتقمص شخصية الفيلم. فماسترونياني، مثلا، الذي لعب في فيلم «مربي النحل» في العام 1986، كان يمقت الطرق الأمريكية في التمثيل.. كان رجل ... لديه طريقة خاصة للتركيز، والذي يحمل معه كل ذلك إلى بلاطو التصوير، لكن دون أن يحاول أن يفرض ذلك على الآخرين. الحقيقة أنه كان موهوبا في التمثيل. أما إرلاند جوزيفسون، فكان يعمل بطريقة أخرى، ممسرحة أكثر، لكنه كان يصل إلى أن يكون جيدا على نحو مماثل: ممثل سينمائي جيد جاء من المسرح. وبالنسبة لهارفي كيتيل، فهو مدرب على طريقة «ممثلي الأستوديو» Actors studio، أي التمثيل الذي يفرض تحديدا، مؤلما أحيانا، للشخصية، حيث يحاول الممثل أن يعثر على نفس العواطف ونفس المشاعر الفيزيائية. وكان يحمل معه طريقة أخرى في التمثيل. وقد استخلصت بأن كل الطرق جيدة. في فيلم «نظرة عوليس»، هناك مشهد بين هارفي كيتيل وإيرلاند جوزيفسون يفرض عليها الركض للوصول لاهثين إلى المكتبة السينمائية المدمرة بسراييفو. كيتيل اختار «الطريقة»: ركض فعلا كيلومترا ليبدأ اللقطة لاهثا. أما جوزيفسون، فاختار المسرح: قلد فعل أن تكون لاهثا دون أن يتحرك قيد أنملة، وأقسم أن الذي كان الأكثر لهاثا هو جوزيفسون. ليست الطريقة هي الأهم، بل الممثل.

بالنسبة للمخرج، يلزمه أن يلعب كل مرة دور الحربائي، أن يغير لونه كلما تعلق الأمر بإعادة الممثل إلى الفيلم. قبل التصوير، نقرأ السيناريو ونعيد قراءته كثيرا. نتحدث عن الأشياء العملية: الحركات على سبيل المثال. لكن نتحدث خاصة عن استعمال الكلمات. طلب مني هارفي، كي يقوم بالمونولوغ النهائي لفيلم «نظرة عوليس»، أن يستمع إلى فرانك سيناترا، إلى أغنية خاصة لسناترا، لأن هذا يذكره بلحظة قوية مرت عليه في حياته. وجدناها، وشغلناها، فحصل على شحنة عاطفية كثيفة ومروعة مكنته من القيام بالمونولوغ. كان أحيانا يصيح «too much»، فأطلب منه مغادرة البلاطو، لأنه يعيش مشاعر قوية. حرفيا كان يخرج من الإطار، وحين يعود يكون فارغا، فارغا تماما، وهذا يوافقني لأقوم بالتصوير. لم يكن يتحمل دائما هذا النظام، الاستثنائي بالنسبة إليه، فكان ينهار بشكل كامل، ويرى أن في سلوكي معه نوعا من الإذلال. وبعد

ذلك، لعب مشهدا، من بين أصعب المشاهد، مرة واحدة، وانتهى الأمر.

أحب أن أتحدث مع الممثلين. أعتقد أنه الشيء الأكثر أهمية في هذه المهنة، وفي عمل المخرج. فنحن المخرجون السينمائيون، نشتغل قبل كل شيء على الجسد والصوت الإنساني. وهذا شيء رائع لدرجة لا تصدق. والطريقة الوحيدة لمقاربة هذا اللغز هو التعاون مع الممثلين. فالشيء الأكثر سحرا الذي يمكن أن نستخرجه من فيلم هو إنجاز الممثل في لحظة مميزة. كل شيء في ضبط النفس، في صفاء الحركات، في إيداع الصوت، وخاصة في أن تتجنب شيئين: النزعة الطبيعية والمسرحة. النزعة الطبيعية هي العادي، والمسرحة هي التصنع، وأنا أطلب من الممثلين نوعا من السمو باليومي.

3الاتحاد الاشتراكي ليوم /11/2016

 
محمد الشريف الطريبق : "ينبغي أن نحرص على أن تكون لدينا قصص مصاغة بشكل جيد"

أجرىالحوار: سعيد المزواري

قبل أن ينزل جينريك «أفراح صغيرة»، فيلم محمد الشريف الطريبق الطويل الثاني، تركّز أنيسة العناية نظرها في أعين المشاهد وفق لازمة الختم على إيقاع شفافية الحكي وانتفاء المسافة من الموضوع. اختيار يقول أشياء كثيرة عن روح هذا العمل الذي ينبئ، رغم هناته القليلة، على نضج وتحكم واعدين. ينبني «أفراح صغيرة» على تصور حميمي لأجواء تطوان في خمسينات القرن الماضي من خلال قصة فتاتين يافعتين (أنيسة العناية في دور يشكل حفل معموديتها فنيا، وفرح الفاسي في دور مركب يعيدها إلى الأضواء) تحتميان داخل علاقة تتراوح بين التآلف والنفور من سطوة مجتمع ذكوري النزعة. لا يسقط الفيلم في فخ النظرة الإكزوتيكية التي تضع الرجل دائما في دور المضطهد، حيث يمكن أن تتجسد النزعة الذكورية في المرأة نفسها حين تصبح أكبر عدو لأختها المرأة. يتسم حوار الفيلم بعمق وسماكة يمنحان الحكي مستويات قراءة تتجاوز اجترار ما يحدث أو حتى التقدم في السرد إلى الغوص في مكنون الشخصيات وتفاعلها مع الوضعيات الدرامية. ولا ننسى المجهود الكبير المبذول على مستوى تشكيل اللقطات وتكثيف السرد حول ما هو أساسي تلافيا للشوائب والتيه اللذان طبعا أفلاما كثيرة نافست «أفراح صغيرة» في إطار الدورة السابعة عشرة من المهرجان الوطني للفيلم بطنجة. دورة اقتنص فيها الطريبق جائزة أفضل سيناريو وفرح الفاسي أحسن أداء في دور ثانوي، بالإضافة إلى جائزة الجامعة الوطنية للأندية السينمائية للفيلم. ولولا أن الفيلم افتقر، في رأينا، إلى حبكة ثانوية كانت ضرورية من أجل منح الشخصيتين الرئيسيتين حيزا لعيش تجربة أطول بعد فترة التعارف والتقارب، مما كان سيجعلنا نستشعر حدة القطيعة بينهما بشكل أعمق، لكنّا الآن بصدد فيلم أكثر تماسكا وقوة.

في ما يلي حوار مع محمد الشريف الطريبق نتناول فيه هذه الملاحظة وغيرها من الأسئلة التي يثيرها «أفراح صغيرة» الذي سيخرج إلى القاعات الوطنية في السادس من أبريل المقبل. 

- كيف انبثقت فكرة الفيلم في ذهنك؟ هل كانت البداية صورة أم موسيقى أم شخصية...؟

- كانت الفكرة الأولى عبارة عن موسيقى، وهي نفسها التي نسمعها في الفيلم. كانت أيضا صورة ولكنها كانت مبهمة في ذهني، وتتعلق بفيلم شخصياته كلها من النساء. كان هذان العنصران أساسيين في انبثاق فكرة الفيلم، ومن ثم نشأ تصور مفاده أن الفيلم ينبغي أن يتموقع في زمن مخالف لعصرنا الحالي، حيث كانت الأجواء النسائية المحضة بارزة و التباين بينها وبين عالم الرجال مرتفعا، فاتجهت إلى آخر مرحلة في المغرب العتيق تحضر فيها هذه الخصائص وهي فترة الخمسينات. فبعد استقلال المغرب، تغيرت الأمور وبدأت النساء تخرج من البيوت وتختلط شيئا فشيئا مع عالم الرجال. بوسعنا أن نقول أن زمن الفيلم هو الفترة الأخيرة التي كان فيها المغرب كما تخيله المستشرقون. بعد هذا التصور الأولي، كان أول عمل قمت به هو جمع معلومات حول العلاقات بين النساء في تلك الحقبة. كيف كانت تحضر مشاعر كالحب والغيرة والتواطؤ بين النساء...؟ بحثت عن سيدات يبلغن من العمر ستين أو سبعين عاما وجالستهم وتحدثت معهم عن كل شيء ولا شيء. استمعت لهن يتحدثن لساعات فقط ليضعنني في أجواء الخمسينات. أحسست بشيء من الغبن حين لم أجد في الأدب المكتوب تفاصيل كثيرة تساعدني على تخيل عالم الفيلم. رغم هذا تابعت البحث وجمعت كل العناصر التي حصلت عليها، فبدأت تتبدى لي قصة فتاتين إحداهما تنتمي لوسط فقير والأخرى لعائلة غنية، وفي منتصف الطريق، وقفت على حقيقة أن وسط المجتمع المحافظ والمنغلق، هناك ميكروكوسم آخر مختلف جذريا عن الصورة التي يعطيها للخارج، واكتشفت المثلية النسوية التي تختلف عن الذكورية وتختلف بالأخص عن المثلية كما نتصورها اليوم، لم أكتشف هذا المعطى بمعنى أنني أول من يخرجه إلى الوجود، بل تبين لي الأمر على شكل استعارة على مدى الحميمية التي كانت تبلغها العلاقة بين النساء آنذاك والتي يمكن أن تنتج صراعا قويا جدا، فمن بين قواعد الدراماتورجيا أنه كلما زاد التقارب بين شخصيتين كلما ارتفعت حدة الصراع الكامن بينهما.

- وكيف اشتغلت على معطيين مهمين جدا في الفيلم هما الديكور وتشكيل صور هذه الحقبة أو بمعنى آخر كل ما يحضر في الكادر والأهم: كيف يحضر؟ 

- كان مرجعي الأساسي في هذا هو الانتاجات الأجنبية، أي بالأساس اللوحات التشكيلية والكتابات، وبالخصوص أن لدي صديق يقوم بإعادة رسم لوحات المستشرقين. اعتمدت أيضا على بعض الصور القديمة لمدينة تطوان، وكانت كلها بالأسود والأبيض. لكني قررت أن لا أنجز فيلما حنينيا بالأسود والأبيض، بل فيلما عن فترة ماضية نعيشها وكأنها آنية. وفي المقابل لم أحاول أن أقرأ وضعية النساء في الخمسينيات انطلاقا من الخطاب السائد اليوم لدى الحركة النسائية المطالبة بحقوق المرأة، بل أن أعيشها كما هي من الداخل. كانت فكرة النساء آنذاك عن التحرر مرتبطة بأشياء بسيطة كالذهاب إلى المدرسة أو السينما...

- وخلافا للفكرة السائدة كانت النساء وليس الرجال، وخصوصا من بلغن عمر الجدات، هن من يحتفظن بالكلمة العليا والأخيرة كما يظهر في الفيلم... 

- فعلا وبالتالي، كما قلت، فإن هذه المرجعيات هي التي أعطتنا الجو العام، لكن الصورة التي أردتها كانت بالألوان، وكنت أبحث مع مدير التصوير عن صورة طرية ومشمسة تظهر أديم وجوه الممثلات بوضوح، لهذا طغت اللقطات المقربة على الفيلم، وحتى حينما كانت تحضر اللقطات المتوسطة، كنا نحاول أن يكون الإطار ممتلئا وأن لا نترك مساحات كثيرة للفراغ. وما أغنى في نظري أيضا تشكيل الفيلم هو أن اللقطات كانت في مجملها ثابتة والممثلات هن من يخرجن ويدخلن في الإطار كل مرة. شيء آخر أحاول أن أتفاداه في هذا النوع من الأفلام، كون الديكور أصلا يتسم ب»الجمال»، هو أن لا يطغى جمال الديكور على الشخصيات، فيصبح لدى المتتبع خصوصا من الأجانب انجذاب للزليج أو الأثاث أكثر من الشخصيات. لهذا سعيت رفقة مديرة التصوير إلى إيلاء اهتمام أكبر للشخصيات ولباسها، أما الخلفية فلا حاجة لتسليط الضوء عليها. تعاملت مع الفضاء وكأنه فضاء عادي حتى لا أسقط في الفولكلورية، لكن هذا لا يمنع من أنه جميل جدا. يجب ألا نبيع أفلامنا كمغاربة بجمال الديكور فقط. ينبغي أن نحرص على أن تكون لدينا قصص مصاغة بشكل جيد.

- لنسلط بدورنا الضوء على الممثلين. يتسم الفيلم باشتغال جيد على صعيد الكاستينغ وإدارة الممثلين. براعة الكاستينغ تتجسد في أنيسة العناية ومجهود إدارة الممثلين يظهر في آداء فرح الفاسي...

- (ضحك) هذه طريقة فريدة لرؤية الأمور. فعلا فمنذ البداية، كنت أراهن على كاستينغ غير تقليدي بمعنى أن أنشر إعلانا وأستدعي كوميديين وأختبرهم وغيرها من الخطوات الاعتيادية. لدي دائما تصور، حتى ولو كنت أسعى أحيانا إلى التخلص منه، أبقى من خلاله وفيا إلى المكان الذي أصور فيه. وأولى الاعتبارات المحلية هي اللهجة. قلت لنفسي أن لهجة الممثلات ينبغي أن تكون تطوانية محضة، إلى درجة أن صديقا انتدبته من أجل الاشتغال على ترجمة الحوارات من الدارجة التطوانية إلى الانجليزية طلب مني أن أترجم الحوار أولا إلى العربية، لأنه لم يكن يفقه شيئا في بعض فترات الفيلم. وبالتالي، كنت أعرف مثلا منذ البداية أن فرح الفاسي (ت.م: منحدرة من عائلة تطوانية) ستكون في الفيلم وقد كانت تتابع عملي منذ الكتابة، وساعدتني نساء من عائلتها في هذا الجانب. أما أنيسة العناية، فكنت أتابعها منذ مدة لأنها مثلي تنحدر من العرائش وهي تتابع دراستها في المعهد العالي للتمثيل. وضعتها في مجال اهتمامي من بعيد ولاحظت إلى جانب نظرتها المميزة، أن لدى أنيسة خاصية أخرى كونها بمجرد أن تغير مظهرها الخارجي حتى تصبح شخصية مخالفة تماما كل مرة، وهذا كان مهما حتى تستطيع لعب دور فتاة أصغر من عمرها. ميزة أخرى تتسم بها أنيسة هي أنها جريئة وهذا ما تبين لي من خلال مراقبة كيفية عيشها في محيطها، وكيف لا تولي أي اهتمام لنظرة المجتمع. كان مهما بالنسبة لي أن تكون الممثلة متصالحة مع جسدها. ما إن تتموقع أنيسة في الإطار، إلا وتحقق التركيز اللازم وتصبح في حاجة لتوجيهات قليلة من أجل أن تجد إيقاع اللعب المناسب. الأساسي أننا كنا نعيش مجتمعين في مكان واحد، نلتقي ونتجاذب أطراف الحديث ونراجع الحوار وندقق فيه. هكذا كانت الممثلات مشاركات فعليات معي في إنجاز الفيلم.

- هل تمرنتم كثيرا قبل بدء التصوير؟

- امتد التمرين لمدة شهرين متفرقة في الزمن. كنت أتمرن مع كل ممثلة على حدة. وبعد ذلك بدأت في جمعهن من أجل التمرن على بعض المشاهد، قبل أن نلتقي جميعا في الشهر الأخير قبل التصوير. كان ضروريا أن تعيش أنيسة العناية شهرا في تطوان من أجل استرجاع مرونتها في تحدث اللهجة التطوانية التي بدأت تفقدها كونها تعيش في الرباط من أجل الدراسة.

- ما الاختلاف الذي لمسته في آداء فرح الفاسي بين «زمن الرفاق» و»أفراح صغيرة»، حيث أنها قامت بسفر طويل بين أفلام وتجارب كثيرة غثها أكثر من سمينها؟

- انتقدني البعض بعد «زمن الرفاق» قائلين أن فرح ممثلة جميلة لكنها كانت غائبة أثناء الفيلم. كنت آنذاك في حاجة لممثلة ذات حضور متوسط حتى لا يطغى على شخصية الصحفي الذي يمثل صلة الوصل في الفيلم. في «أفراح صغيرة» أردت أن أجرب شيئا مختلفا وأن لا أجعل منها مرة أخرى «موضوع الرغبة». ازدادت علاقتي مع فرح عمقا منذ الفيلم الأول وشاهدت كل أعمالها بعده من دون أن أكون بالطبع راضيا على كل ما مثلت فيه. كل هذا سمح لي أن أتعرف عليها أكثر وأتعرف على مكامن القوة والضعف. كانت تنتظر أن تلعب الدور الأول، لكني أردت أن أقدمها في دور مختلف حتى يكون الأمر بمثابة تحد لكلينا. قلت لها لن أسند لك الدور الأول، لكني سأقدمك في دور ثان مركب أكثر من الأول، لأنك ستلعبين دور فتاة متحكمة تأكلها الغيرة، وتحاول أن تحقق أهدافها بشتى الوسائل بما فيها المواجهة العنيفة. فرح إنسانة تمتاز بذكاء فطري وقد حاولت استغلال هذا الجانب في الفيلم. 

- نأتي إلى الحوار الذي فاجأني صراحة بتماسكه ونضج مرجعيته التي كانت سندا كبيرا لدراماتورجيا الفيلم، خصوصا أن الأمر يتعلق بفضاء مغلق لا تملك فيه عناصر كثيرة غير الحوار من أجل التقدم في الحكي. كيف كان العمل عليه؟ هل كتبه معك أحد آخر؟ وهل تغير كثيرا مع توالي مراحل إنجاز الفيلم؟

- كتبت الحوار بمفردي أثناء إقامة كتابة، وقد أخذ حيزا كبيرا من العمل. الحوار هو الذي يربط الفيلم إن أردت بتجربتي في «بالكون أطلانتيكو» (ت.م: فيلم قصير أنجزه المخرج رفقة هشام فلاح سنة 2003). في هذا الأخير، انجذب الناس للإخراج وحركة الكاميرا، لكنه قبل كل شيء فيلم حول الكلام. كما قلتَ، يتسم «أفراح صغيرة» بوحدة المكان، هناك بالطبع حركات كثيرة لكن الرهان يبقى حول الكلام، وأنا لا أخاف من هذه المسألة. خصوصا أن هذا يتماشى مع طبيعة مجتمعنا. لقد تطلب الحوار اشتغالا أكبر لأن مقدار الحديث في النسخ الأولى من السيناريو كان كثيرا جدا، وكنت مجبرا على التقليل منه قدر الإمكان، وألا أترك سوى الحوار الذي ينطوي على حركية وأزيل كل حوار جامد. حين تسأل فرح مثلا أنيسة عن الهدية فهذا يحيل على الخطوبة ومباشرة بعد ذلك يصبح التهكم على «زهر الخيبات» مقدمة للخلاف بين البطلتين. هكذا يغدو الحوار، أكثر من حامل للمعلومة أو لتفسير ما يحدث، محفزا لوضعيات درامية مهمة. كنت أحاول ألا أحتفظ سوى بهذا النوع من الحوار بقدر الإمكان، بالموازاة مع تكثيف القصة كي لا أسقط في قول أشياء كثيرة تتعلق بالحركة الوطنية والاستعمار وغيرها من مواضيع حقبة الخمسينات.
يمكن تقسيم الفيلم إلى ثلاثة مراحل: مرحلة اللقاء والتعارف بين البطلتين، مرحلة تجربة التقارب والمعيش المشترك بينهما ثم مرحلة القطيعة. ألم تحس أن المرحلة الثانية لم تدم بالشكل الكافي ولم يكن المعيش المشترك بين البطلتين بالغنى المطلوب (ربما لافتقار الفيلم لحبكة ثانوية) وهذا ما جعل وقع القطيعة بينهما أقل حدة على المشاهد؟ 

هذه أول مرة أنتبه إلى أن الفيلم كان ربما في حاجة إلى حبكة ثانوية، أو ربما كان يلزم وقتا أطول للحياة بين البطلتين. قد يعود هذا إلى أنني أجد متعة أكبر في عقد اللقاءات والفراق أكثر من تطور العلاقات نفسها. أحب كثيرا أن أحكي عن الفراق. أوافقك أن مرحلة العيش المشترك لم تكن طويلة، لكن إن تناولت الفيلم من البدء إلى النهاية فهناك رحلة طويلة وتطور مستمر. الملاحظ أن القطيعة في الفيلم جديرة بالاهتمام من ناحية الإخراج أكثر من أي مرحلة أخرى. حيث هناك تردد ونلمس بحدة أكبر تعقيد العلاقة بين الفتاتين. هناك في هذه المرحلة تجاذب ونفور في الآن نفسه وغموض في المشاعر لدى الطرفين.

- تحتل الموسيقى حيزا مهما في الفيلم، خصوصا في مشاهد الغناء التي تتخلل السرد وتشكل متنفسا ولدى كلماتها ارتباط مهم بحكي الفيلم، كيف اشتغلت على الموسيقى بشكل عام وكيف أتى تصور هذا الذهاب والإياب بينها والحكي في الفيلم؟ 

- كما قلت سلفا، فمن بين العناصر التي أوحت لي بفكرة الفيلم كانت الموسيقى. بعد انتهائي من كتابة السيناريو، قلت لنفسي أين هي الموسيقى؟ لدي حفلتي عرس في الفيلم لكن لا يمكن أن أطيل فيهما أكثر مما يجب. كنت أقدم الفيلم على أنه موسيقي لكني لم أكن قد وجدت الموسيقى بعد. فكرت أن أكتب مشاهد تعبر فيها الشخصيات بواسطة الغناء، هكذا كان الفيلم سيكون نوعا ما «كوميديا موسيقية». بعد ذلك أنجزت شريطا وثائقيا حول موضوع «أفراح صغيرة» نفسه كان بمثابة استعداد للتصوير، وشكلت فيه المشاهد الموسيقية الأندلسية متنفسا للحكي. تساءلت لم لا أفعل الشيء نفسه في الفيلم التخييلي مادام قد اشتغل جيدا في الوثائقي؟ وهكذا يمكن أيضا أن أحتفظ بأثر مقاربة الكتابة حاضرا في الفيلم. أول من تكلمت معه في الأمر كان مديرة التصوير فأخبرتني بوجود فيلم يشتغل وفق الطريقة نفسها. كنت لم أشاهد بعد آنذاك «هيد اون» لفاتح آكين. ما راقني هو كيف تحضر المشاهد الموسيقية فيه بشكل شبه صدامي لا يبحث عن الرابط بطرق التوائية وهذا ما شكل مبعث اطمئنان بالنسبة لي. استمعت للموسيقى المتعلقة بأجواء الفيلم واخترت الكلمات التي سنسجلها. سجلنا حوالي ساعة من الموسيقى في المجمل، وبالاشتغال مع المونتير قمت بترجمة الكلمات إلى الفرنسية، وتوليفها وفق الموضوع والإيقاع الذي يناسب كل موقف، حتى تأتي الموسيقى كفرقة الكورال في المسرح التي تعلق على ما يحدث وتستبق ما سيأتي، وتحقق كذلك نقلة زمنية في سرد الفيلم لأننا لا نستعيد خيط الحكي حيث كان قبل المشاهد الموسيقية. إلى جانب هذه العلاقة الحكائية، هناك علاقة أخرى بين الموسيقى و»أفراح صغيرة»: فالأصل في الفكرة هو تخيل الأجواء التي أنتجت الموسيقى التي نسمعها في الفيلم. أي أننا حاولنا أن نتخيل أي نوع من الحياة يمكن أن تعطي إنتاجا فنيا بهذه الروعة.

- نصل في الأخير إلى الجزئية التي أثارت نقاشا كبيرا والتي يلخص فيها بعض من الجمهور من غير المتخصصين الفيلم وهي العلاقة الحميمية بين الفتاتين. ما راقني هو أنك صورتها بشكل محتشم نوعا ما من دون أن تلغيها كليا، وسبيلك إلى هذا مقاربتها كنوع من اللعب (اللوديزم) كما تقول شخصية فرح الفاسي في أحد المشاهد. كيف جاءت هذه الفكرة؟ 

- هذه فكرة انبثقت من البحث السوسيولوجي الذي قمت به. في الوثائقي، هناك سيدة تقول أن الرجال كانوا يتقبلون العلاقات الحميمية التي تنشأ بين النساء في تطوان الخمسينيات ويقولون أن كل ما في الأمر هو «نساء يلهين مع بعضهن البعض»، لأن العلاقة لا ينتج عنها إيلاج وبالتالي لا تترك أي أثر يذكر. من هنا جاءت فكرة العلاقة الحميمية بين النساء كنوع من اللعب، لكن هذا لا يمنع أنها كانت مرموزة بشكل دقيق داخل المجتمع. فكانت كل سيدة ترغب في علاقة مع أخرى تبعث لها بطبق فواكه جافة مرفوق بخيط وإبرة، فإن قامت «المعشوقة» باستهلاك الطبق تكون تلك علامة القبول. وغالبا ما تكون العاشقة منحدرة من وسط الأعيان والمعشوقة منتمية إلى عائلة فقيرة نسبيا. العلاقة بين الفتاتين في الفيلم لا تعدو أن تكون قوسا في مسار اكتشافهما لجسديهما وحياتهما الجنسية. أما العلاقة بين زينب والحاجة أو «ماما عينو» فهي علاقة جدية ومترتبة عن ثقافة الفصل بين النساء والرجال السائدة في المجتمع آنذاك. الأمر متعلق بسببية طبيعية لا تحتمل أن نتدخل في محاكمتها أخلاقويا. أنا لا أتكلم كثيرا كما لاحظت عن هذه المسألة لأن لدي نفور من الضجة، وحتى لا يتم اختزال عملي وعمل الفريق كله في مشهد من دقيقتين. لقد اشتغلت على المشهد وكأن الأمر لا يتعلق بطابو حتى لا أبالغ في الأمر أكثر مما ينبغي. نشاهد فيلما فرنسيا ولا نجد فيه أي لقطة ذات طبيعة جنسية لأنها غير ضرورية، أما في بلدان الجنوب، فتجد بعض المخرجين يقحمونها فقط لأنها في تصورهم «ممنوعة». أحاول أن أشتغل دائما وكأن لا شيء ممنوع كي لا تخيفني الطابوهات، وهذا ربما ما يفسر انطباع الاحتشام الذي تركته اللقطة الحميمية، لأني اشتغلت عليها وفقا لإمكانياتي الخاصة ومدى قدرتي واستعدادي الخاص لمشهد من هذا النوع.

جريدة الاتحاد الاشتراكي ليوم 3/11/2016

 
Petits bonheurs : Une mélodie filmique pour un conte intimiste

Écrit par Mohammed Bakrim

Le deuxième long métrage de Mohamed Chrif Tribak reprend et prolonge des éléments de sa filmographie marquée principalement par des courts métrages et un premier long métrage, Le temps des camarades. Une filmographie qui l’avait installé comme cinéaste cinéphile, attaché à des signes et à des formes issues et puisées de son background socio-culturel, au niveau de l’espace, du système des personnages et de l’ancrage dans une culture riche en symboles (musique et décors). Il aime filmer l’intime, les relations qui naissent et se tissent au sein d’une communauté, d’un groupe. Je renvoie dans ce sens principalement à ses courts métrages Nassima, Mawal et à son long métrage, Le temps des camarades.

 

Petits bonheurs réussit une parfaite synthèse de cette démarche. Je n’hésite pas à dire qu’il s’inscrit dans une logique de cinéma comme art total, convoquant et mobilisant au service du récit filmique, des éléments du langage cinématographique et des arts voisins, notamment les arts portés par le temps, la musique, la danse, la poésie…l’ensemble ancré dans un espace à forte connotation artistique islamo-mauresque. Le film évolue alors comme une œuvre artistique fluide sans verser dans l’exotisme ni dans le cliché facile. Et pourtant, aussi bien au niveau de son sujet, l’intimité de l’amitié féminine, que dans sa forme, le risque de dérive «exotique» était réel, l’intelligence du film étant de réussir une approche juste, sans excès, sans verser dans le démagogique ambiant. Il nous rassure ainsi en nous rappelant que le cinéma est possible, que filmer n’est pas toujours un acte violent et voyeuriste. Petits bonheurs plaide en faveur d’un cinéma montrant une situation où la vie circule devant et autour de la caméra. Et le film est inondé de vie, de désirs. Désirs tus, refoulés ou sublimés.

Le récit nous situe dans le Tétouan de 1955. Une date charnière. Nous sommes à la veille de quelque chose. Un temps de l’entre-deux. Celui de la fin du colonialisme et du début de l’ère de l’indépendance. Une donne politique et historique cantonnée dans le hors champ…mais tout le film est marqué, dans sa mise en scène, par cet esprit de l’entre-deux. Il développe en effet une esthétique de l’espace fondée sur le principe de l’alternance entre le haut et le bas ; l’extérieur et l’intérieur, le dit et le suggéré. Une figure architecturale va être un acteur central de ce dispositif scénique, l’escalier. L’essentiel du récit se déroule dans un milieu fermé, une maison traditionnelle tétouanaise dans la tradition architecturale issue de l’héritage andalou : ouverte vers l’intérieur, fermé de l’extérieur. Une architecture «voilée», féminine. Un quasi huis clos marqué par l’omniprésence des fenêtres, des portes…et de l’escalier. Quand arrive Noufissa avec sa mère chez Lalla Amina, elle est d’emblée confrontée à l’escalier qui sépare symboliquement deux univers, celui de son univers social d’origine, en bas de l’échelle et celui de Lalla Amina d’origine aristocratique ; et physiquement, l’escalier séparant l’espace des adultes qui lui est momentanément interdit (des femmes entre-elles) et celui des jeunes (les jeunes filles notamment). Cette figure architecturale élémentaire aura des fonctions multiples, dramaturgiques et scénographiques. On va découvrir au fur et à mesure de l’évolution du récit que c’est un lieu très fréquenté. Il est un passage, un lieu de transit et de circulation de désir. Filmé en soi, il renvoie à un ailleurs. Dans le plan fixe de la préparation du cérémonial des fiançailles, l’escalier apparaît en profondeur de champ, inondé  de lumière, ouvert sur un ailleurs prometteur. Ce n’est pas un hasard si le téléphone est accroché au mur jouxtant l’escalier. Les deux éléments ont une fonction métonymique renvoyant à cet espace autre, celui de la terrasse, du ciel lumineux pour l’escalier ; et au désir d’évasion exprimé par l’appel au téléphone pour se renseigner sur le film de Farid Al Atrach.

Mais l’escalier, vide ou animé, renvoie à l’ambivalence des sentiments et à la tension née des désirs qui naissent, notamment entre Noufissa, la nouvelle arrivée et Fettouma, petite-fille de Lalla Amina. Le film aborde cette relation, riche de ses allusions et de son ambiguïté, avec délicatesse et pudeur. Toute lecture est laissée au libre arbitre du récepteur. La caméra ne lui impose aucun point de vue tranché ; le sens n’est jamais assigné à résidence. Les deux actrices, Farah El Fassi et Anissa Lanaya ont porté ces rôles avec un jeu fait de finesse, de jovialité et de retenue.

Un autre élément qui va renforcer cette démarche de distanciation est l’insertion d’un récit secondaire au sein du récit premier par le biais du chant. Chrif Tribak introduit ainsi dans son film la technique de mise en abyme, permettant au récit initial de souffler et de dire autrement ce que la diégèse ne dit pas explicitement. Le récit filmique s’ouvre en effet avec une très belle chanson issue du répertoire local tétouanais. Outre la dimension informative instaurant un référentiel culturel précis, cette ouverture annonce la couleur à deux niveaux. Esthétique, le récit naît sous le signe de la beauté et de l’harmonie. Et dramatique puisque le texte de la chanson nous donne des indications utiles pour la suite du récit en proclamant «j’étais serein avant d’avouer mon secret». Ce récit chanté va être mené comme un miroir du récit principal. Mon hypothèse va être confirmée lors de la deuxième apparition de la chanteuse située juste après la première rencontre entre Fettouma et Noufissa ponctuée en quelque sorte par le texte de la chanson qui parle de souffrance née de la rencontre avec «Ô fleur, ma reine».

La bande son est judicieusement inscrite dans la construction narrative. Elle anticipe par exemple la scène qui suit (le son arrive avant l’image du plan suivant) ou permet, via le hors champ sonore, d’élargir l’espace restreint dans lequel le personnage réfléchit ou médite.

Cette démarche de mise en scène permet de parler du film comme une mélodie. Je défends l’idée que la musicalité préside à l’écriture du film, non pas la musique de la bande son mais la musicalité qui provient du rythme, du jeu de lumière et de la construction temporelle de chaque plan. Abel Gance disait qu’il y a deux types de musique : «la musique du son et la musique de la lumière qui n’est autre que le cinéma». Si l’alternance des plans assure au film une fluidité digne d’une partition (voir la scène fondatrice de la présentation de la mariée), la musicalité provient aussi du rythme propre au plan lui-même. Les plans de Fettouma, à la terrasse, quand elle voit partir Noufissa sont chargés d’émotions qui émanent de la seule qualité intrinsèque de l’image et du jeu de la comédienne. Un hymne au cinéma.

Journal : Al Bayane du 11 – 03 - 2016

 
Tanger, the day after

Écrit par Mohammed Bakrim

Après le festival, les polémiques. C’est dans la nature des choses et cela fait partie du spectacle global de ce grand théâtre qu’est le monde, dirait Shakespeare. Il faut juste que l’ensemble des acteurs soient imprégnés de l’esprit sportif et de suffisamment de tolérance pour accepter le jeu même si les règles sont souvent biaisées.

Que retenir alors de Tanger 2016 ? Commençons par cette information essentielle qui, en elle-même, est une première leçon fondatrice, à savoir que le festival reste à Tanger. Le courant «révisionniste» a perdu la mauvaise bataille qu’il veut mener pour ramener le festival à ses premiers balbutiements. «Il n’y a pas mieux que Tanger pour abriter une manifestation de telle envergure» affirme Fassi Fihri, directeur général du CCM, dans une déclaration à la presse. Des sources fiables assurent qu’il a été conforté dans ce choix par le soutien réel et effectif des autorités de la ville et de la région. L’ambiance générale du festival en a été marquée positivement. Pour quel résultat ? Si j’ai à résumer la 17e édition en une phrase je dirai qu’elle se termine sur un bilan organisationnel positif et un bilan artistique mitigé, c’est le moins qu’on puisse dire à ce niveau. L’organisation a été au rendez-vous. Le CCM a mis les petits plats dans les grands pour assurer un bon déroulement du festival. Une solide machine a été mise à l’épreuve avec succès. Les projections se sont déroulées dans de bonnes conditions, la programmation aérée et diversifiée. Bref, un socle pour bâtir. Quid du bilan artistique ? Un indicateur important dans ce sens, le palmarès. Certes, un palmarès est fait pour partager. Il est rare qu’un palmarès suscite l’adhésion unanime des festivaliers (ce n’est pas un bon signe par ailleurs). Sauf que le palmarès de cette édition a surpris…dans le mauvais sens. En somme, il n’a pas été à la hauteur du cast qui le compose, l’un des meilleurs…sur le papier ; ni à la hauteur du manifeste annoncé par son président lors de la cérémonie d’ouverture. En deux mots, il a manqué de vision cinématographique cohérente (le prix spécial du jury censé dire le coup de cœur du jury est révélateur dans ce sens) et de discernement politique (comment ignorer les deux films maroco-belges, pourtant prometteurs). Pour tout dire, il a manqué d’audace. Il a caressé l’opinion dans le sens du poil (Le grand prix). Dommage car le cinéma marocain a besoin d’un sursaut salvateur.

 

Journal : Al Bayane du 11 – 03 - 2016

 
كاتب وفيلم : قصة عشق «كازابلانكا» كمونودراما فوتوغرافية

بنيونس عميروش(*)

الضوء الآسر الذي يأتي من الخلف. الولع القديم بالقاعة المظلمة. غواية السينما التي جعلتنا شديدي الارتباط بالصور، وجعلتنا نحلم ونهزم الأشرار، كما ساعدتنا على مقاومة الضجر.
في ذاكرة كل واحد منا فيلم شاهده وتأثر به، بل أصبح جزءاً رئيساً من كيانه الروحي والعاطفي. فيلم يقع خارج التقييم الفني، ولا يخضع إعجابنا به لأي منطق، لأن العلاقة معه مبنية على العاطفة أساسا..
في هذه السلسلة التي ننشرها على حلقات، حكاية كاتب أو مثقف أو فنان مع الفيلم الذي كان له وقع عليه..
ظلت السينما بالنسبة إلي وأبناء جيلي، مراهقي وشباب سبعينيات القرن الماضي، ملاذا للحلم والخيال والمتعة. أتذكر جيدا حالة الانبهار التي عشتها حيال سحر أحزمة النور المشعة من ثقب صغير وهي تستحيل إلى صور كبيرة ومتحركة على مساحة بيضاء. وقع ذلك أول مرة يصطحبني فيها شقيقي الأكبر حسن إلى سينما «فوكس» بوجدة لمشاهدة«les titants» (مغامرة وفانطاستيك، إنتاج 1962)، وما زلت أذكر مناورات أخي والمجهود العضلي الجبار الذي بذله وسط كثافة الجُموع المتدافعة ليتمكن من الوصول إلى شباك التذاكر. وسرعان ما صرت كباقي أقراني خبيرا باختصاصات القاعات: «الفوكس» لأفلام المغامرة والويسترن، «المعراج» للأفلام الهندية (أستحضر روائع دبلجة السايح، كـ»الصداقة» و»أمنا الأرض»، واستعراضات الشامي كابور والشاشي كابور وغيرهم)، و»المعراج» لأفلام بريس لي وأبطالنا زمنئذ من أمثال بيد سبانسرBud Spencer وترانس هيلTerence Hill (أشير في السياق إلى شريط: On l’appelle Trinita، إنتاج 1970)، و»الملكي» للأفلام العربية، و»كوليزي» لـ «العري» (أفلام «لاتوبيب»)، و»باريس» التي ظلت إلى عهد قريب، أحسن القاعات التي تعرض مستجدات الأفلام المختارة لأكبر شركات الإنتاج العالمية. هاتان الأخيرتان، كانتا ضمن خط الحافلة التي أستقلها للذهاب إلى ثانوية ابن عبد العزيز، فكنت – في عديد المرات- أُطِلُّ على الملصقAffiche، لأنزل بمحفظتي مستقرا على استبدال حصة الفيزياء أو الكيمياء (شعبة العلوم التجريبية) بمشاهدة فيلم، انصارا لخيال الفنون ونكاية بعقل العلوم.
إنها المرحلة التي يتأسس عليها تقليد المشاهدة والوعي بالقيمة الفنية والثقافية للسينما مع الكِبر. ففي متوالية المشاهدة، لا بد أن نتأثر، حقيقة، بالكثير من الأفلام التي تمسي مع تراكم الصور والحكايات والمواقف والمعالجات الفنية المتنوعة، خلفية تُعضِّد ثقافتنا وذوقنا ومَيْلَنا، وتساؤلاتنا أيضا، مثلما تسعفنا في اكتشاف ذواتنا، فيما تساعدنا على تشكيل رؤيتنا للعالم. غير أني أحب – في هذا المقام- الوقوف عند أحد أجود وأهم الأفلام الكلاسيكية الأمريكية «كازابلانكا» (يعتبر ثالث أكبر فيلم أمريكي منذ 2007)، والذي قرأت عنه قبل المشاهدة، فوجدت نفسي أعيد مشاهدته مرات عديدة بنفس متعة الاكتشاف الأولى، إذ يتيح لك في كل مرة استغوار جانب آخر مستبطن من أسرار نجاحه الجماهيري المنقطع النظير (حصد شباك التذاكر أربعة ملايين دولار في عرضه الأول، وحصل على أوسكارات أحسن فيلم (1944) وأحسن سيناريو وأحسن إخراج). فإضافة إلى جاذبية العنوان ذي المرجعية المغربية، هناك زمن الإنتاج الذي ينحدر إلى 1942، ما يضاعف حس الحنين ويجعل التصوير بالأبيض والأسود ذي جمالية موسومة بعبق التاريخ.
توفَّق المخرج ميكاييل كورتيزMichael Curtiz (1) في تحقيق نجاح «كازابلانكا» استنادا إلى عرض شخصيَّتَيْن رومانسيَّتَيْن من أداء همفري بوغارتHumphrey Bogart (2) (ريك بلين شاب طائش بقلب كبير) وأنجريد بيرغمانIngrid Bergman (3) (إيلزْ لوند صديقة ريك القديمة بباريس) ذات الجمال الأوروبي، والتي عكست بإبداعية دقيقة صورة هواجس ومشاعر المرأة (الشابة البلغارية المتزوجة من فيكتور لازلو أحد أبطال المقاومة التشيكية) التي تعيش مواقف التردد بين الحب والواجب. تدور معظم الأحداث في أشهر حانة يمتلكها ريك بلين (معروفة باسم «مقهى ريك الأمريكي») الذي يعيش منفاه بالدار البيضاء، حيث تنبعث أنغام موسيقى البلوز من خلال براعة عازف البيانو (زنجي يُدعى سَامْ) الذي يُهَنْدس صخب الحانة التي تجمع بين الصعاليك والوطنيين والجواسيس واللَّاجئين والشخصيات التي تعيش زمن الرعب النازي.
بالرغم من كون الفيلم يتضمن مشاهد خارجية تعكس شخوص ولباس ومعمار ومناخ المدينة المغربية الموصوفة بالسحر والغرائبية وقتئذ ضمن ميلوديا عربية، فإن الكاميرا لم تنتقل قط إلى الدار البيضاء، إذ تم تصوير الفيلم بكامله في الأستوديوهات. هذا الجانب الطريف الأول، فأما الثاني يكمن في كون الشروع في إنجاز الفيلم بأطوار ذات بال خلال أسابيع، تم باعتماد سيناريو ناقص. لم تكن تعرف البطلة أنجريد بيرغمان - ضمن سيرورة الأحداث - إِنْ كانت سترافق زوجها (في الفيلم) أو تتشبث بحبها الأول لتبقى في الدار البيضاء. في نهاية المطاف (يوليوز 1942) قرر هال واليس (المُنتج الذي اشترى كافة الحقوق مقابل عشرين ألف دولار وعَدَّل النص تحت عنوان «كازابلانكا») والمخرج كورتيز والسيناريست هوارد كوش أن يضحي ريك (بوغارت) بحبه لفائدة المقاومة ضد النازيين، وذلك في مقابل تضحية إيلزْ المستعدة للتفرغ من أجل مساعدة زوجها، المُهَيَّء بدوره «لرؤية إيلزْ مع ريك شريطة أن يعلم بأنها حية»، ما جعل الفيلم مشهورا بتناول قيمة التضحية في أبهى مَراتِبها. علما أن السيناريو كُتب بشكل جماعي بتوقيع هوارد كوش والأخَويْن جوليوس وفيليب أبستين، وهو النص الذي اختارته رابطة كتاب أمريكا في 2006، بوصفه أفضل سيناريو ضمن لائحتها الأولى لأعظم 101 سيناريو التي اختارها أعضاء الجمعية من بين ما يفوق 1400 فيلما، بينما المرتبة الثانية عادت لفيلم «الأب الروحي» الذي كتب نصه ماريو بوزو وفرانسيس فورد كوبولا. من ثمة »فإن الأشياء التي يُمكن اعتبارها اكتشافات ذكية، مثيرة للحماس بجرأتها المباغثة، هي في الواقع قرارات مأخوذة في حالة يأس (...) وفي كونه (الفيلم) تم بالمصادفة تقريبا، فإنه من المُحتَمَل أن يكون قد أَنْجَز نفسَه بنفسِه، وإلا فإنه ضد إرادة مُؤلفيه وممثليه « كما يرى أمبرتو إيكو(4).
إن الاختيار الجيد لممثلين(Casting) ذوي مهارة عالية في التشخيص، يظل القوة التعبيرية التي غَطَّت على ضعف الإمكانات، وعملت على إنجاح التكثيف البارع للأحداث في رقعة واحدة (فضاء الحانة) حيث تتداخل الأحداث، بقدر ما عملت على اختزال بهاء «الحداثة» من خلال نغَم البيان(موسيقا: ماكس ستاينرMax Steiner) وجمال المُحَيَّا وأناقة اللباس(المُصَمَّم بتوقيع أوري- كيليOrry-Kelly)، ضمن تأطيراتCadrages باهرة، لطالما جعلتني أتأمل إهليلِجات الطرابيش وظلالها المنسابة على الوجوه، ما يثير تضاداتContrastes بديعة للغاية. فإذا كانت براعة التصوير هي ما جعل الفيلم عبارة عن ميلودراما فوتوغرافية، فإن التسليم بذلك، يضعنا أمام إشكالية التوقيع في حالة الأعمال الجماعية، ما يدفعني للتساؤل: أليس مهندس التصوير هو الجدير بتوقيع «كازابلانكا» (Photographie : Arthur Edeson)؟
يُمَوْضِعنا الفيلم في قلب الدار البيضاء بعد انهيار فرنسا (دجنبر 1941)، كمدينة عبور اللاجئين للحصول على التأشيرة استنادا إلى قواعد السوق السوداء المُناوِرَة، للانطلاق نحو إسبانيا وأمريكا، موطن الحرية (أرض الميعاد). فإذا كانت أفلام مغربية مثل «وشمة» لحميد بناني (1970)، و»باديس» لمحمد عبد الرحمان التازي (1974)، و»حلاق درب الفقراء» لمحمد الركاب (1982)، و»السمفونية المغربية» لكمال كمال (2005)، تشكل وجدان وصور الزمن المَعيش لأبناء ما بعد الاستقلال من جيلي، فإن «كازابلانكا» المنحوت بخيال أمريكي ينحدر في تربتنا إلى حدود زمن الحرب العالمية الثانية، وبذلك يمنحنا ذاكرة «مُتَخَيَّلة» تطل على أربعينيات القرن الماضي. لعلها الذاكرة التي صارت متوغلة في الوجدان، إذ تدفعني – بحس نوسطالجي- لاستحضار صخب «مقهى ريك الأمريكي»، كلما ولجت ورفاقي الصعاليك الجميلين (محمد عنيبة الحمري، بوجمعة أشفري، شفيق الزكاري، أحمد لطف الله، أنيس الرافعي...) فضاء «سينْتْرا» بالدار البيضاء: فقط، اسْتُبْدِل عازف البيانو «سَامْ» بعازف العود «حسن السقاط» (دعواتنا له بالشفاء). فهل فكر الأمريكي كورتيز في صناعة وجدان المغاربة وهو يُدَبِّر صناعة «كازابلانكا»؟.
هوامش:
ميكاييل كورتيز (1888- 1962) اشتهر بسينما المغامرات، بدأ ممثلا ومنتجا في مسرح بودبيست قبل أن يلج مغامرة السينما في 1912، أنجز قرابة خمسين فيلما(من بينها« La peau du chagrin» (جلد الحزن) ) قبل مغادرة هنغاريا عام 1919 إلى فيينا، حيث سينجز أفلاما تاريخية، لكن إلحاح شركة وارنر بروس دفعته للذهاب إلى هوليوود. همفري بوغارت (1899- 1957)، قضى 13 سنة بمسرح برودواي و22 بهوليوود، حاز على أوسكار أحسن ممثل العام 1951، عن دوره في فيلمl’Odyssée de l’African Queen لجون هوستن.
أنجريد بيرغمان (1917- 1982) ممثلة سويدية، اشتغلت مع ألفريد هيتشكوك في فيلمي: «منزل الدكتور إدوار» (1945) و»المقيدون» (1950)، كما اشتغلت مع روبرتو روسيليني في فيلم«Stromboli» (1950)، ومع جون رونوار في فيلم«Elena et les hommes» (إلينا والرجال) (1956). عند وفاتها أعرب زوجها المخرج السويدي الذائع الصيت إنجمار بيرغمان (صاحب «السجن» (1948)، «ألعاب ليلة صيف» (1950)، «ابتسامات ليلة صيف» (1955)، «الختم السابع» (1956)، «الصمت» (1963) «من خلال المرأة» (1971)، «الفراولة البرية» (1985) وغيرها )، عن عزمه على «تنظيم انتحاره» خلال مقابلة مع محطة التلفزيزن السويدية الخاصة «تي في 4»، موضحا: «باتت الحياة عبءً بالنسبة لي والشعور بأنني لن أرى أنجريد مرة ثانية أمر مروع».
Umberto Eco, « Casablanca, ou la renaissance des dieux », in La guerre du faux, Traduit de l’italien par Myriam Tanant avec la collaboration de Piero Cracciolo, Col : Grasset et Fasquelle, 1985.
(*) فنان تشكيلي وناقد

19 – 2 – 2016 (الاتحاد الاشتراكي)

 
<< البداية < السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالي > النهاية >>

الصفحة 10 من 53
تقييمكم للدورة الأخيرة لمهرجان فيلم الهواة
 
FNF19 : 15 longs métrages en lice pour la compétition En vertu du
المزيـــد »
نزولا عند طلب بعض أعضاء مجلس المنخرطين
المزيـــد »
قدمت جمعية الفن السابع بسطات يوم الخميس
المزيـــد »
في إطار الاستعداد للدورة الحادية عشرة م
المزيـــد »
مهرجان وجدة الوطني لفيلم الهواة يكشف عن
المزيـــد »


  2013 - 1990 جمعية الفن السابع - جميع الحقوق محفوظة Designed By Meduse Innovation