Spot de la 11ème édition du Festival FNFAS

FNFAS 11 - reportage - ملخص الدورة 11

افتتاح المهرجان الوطني لفيلم الهواة في نسخته 11 بسطات

فاتن هلال بك  خلال مهرجان سطات لفيلم الهواة

الدورة 3 لمهرجان وجدة الوطني لفيلم الهواة

Le tempo oublié - الإيقاع المنسي

وثيقة لإدريس المرني حول العربي بنمبارك سنة 1985

لقاء تأطيري حول الأندية السينمائية المدرسية

ميلاد الفيدرالية المغربية لسينما الهواة على إذاعة طنجة

Création de la Fédération FMCAM

Films "Panorama et Compétition" du FNFAS 10

Résumé 10ème Edition en 14 mn

Spot de la 10ème édition du FNFAS

المطربة نادية أيوب خلال المهرجان الوطني لفيلم الهواة بسطات

Le Festival (FNFAS 10) les 2 premiers jours

diaporama de la 10ème édition du Festival - FNFAS

كلمة نور الدين الصايل في افتتاح الدورة 4 (2010) لمهرجان سطات

  تكريم حسن إغلان خلال الدورة 3 للمهرجان الوطني لفيلم الهواة بسطات سنة 2009

Reportage FITUC 2016

 من فنون الفرجة على أمواج إذاعة طنجة : الفضاء في السينما

6 أشرطة تلفزية لأحمد مدفاعي (قناة الرياضية)

 

الصايل يتحدث عن أهمية التراكم في السينما

Clôture du FNFAS 9 - اختتام الدورة 9 للمهرجان

 

إعلان الدورة 9 للمهرجان - َSpot 9ème Edition

الرجل الهادئ فيديو نكريم محمد ولد دادة

سينما الهواة اليوم بالمغرب على أمواج إذاعة طنجة

Documents vidéo :Truffaut et Nouvelle Vague Française

شكاوى الفلاح الفصيح لشادي عبد السلام

Bande annonce film ayant obtenu le lion d'Or à Venise (2014)

Lien vers "Liner"  1er Prix à Klibia en Tunisie 2014

حاتم عبد الغفورفي دور السلطان العثماني محمد الفاتح

FNFAS 8 vu par Fred Graber

الدورة 8 لمهرجان سطات في برنامج شاشات

Spot de la 8ème Edition du  FNFAS

Vidéo Med Lytim (hommage FNFAS 8)

Kaurismaki vu par des cinéates en 7 mn

L'acteur de western spaghetti Giuliano Gemma est mort

نور الدين الصايل في برنامج ضيف الأحد

 

أرشيف الفيديوهات - Archive des vidéos

 

 

 

 

Pour contacter CineSett

Tel : 06 67 26 01 41 

Fax : 05 23 40 34 30 

Mail : contact@cinesett.com

أخبار و مقالات سينمائية
أنييس فاردا (2) : الفيلم الوثائقي مدرسة للتواضع

تقديم وترجمة: سعيد منتسب - جميلة عناب

أنسييس فاردا، مخرجة من «الموجة الجديدة في السينما الفرنسية» التي استطاعت إلى جانب فرنسوا تروفو وجاك ريفيت وإيريك رومر وجان لوك غودار وكلود شابرول.. إلخ، نقل السينما الفرنسية إلى منطقة أخرى أكثر حرية وأكثر إبداعية، حيث برعت باقتدار كبير في الخلط بين تيارات الإبداع السينمائي وأضافت عليها لمسات مليئة بعناصر البهجة الممتعة الى أقصى حدود الفرادة في التقاط الشخصيات والوقائع. 

فمن مصوّرة فوتوغرافية، استطاعت فاردا إلى عالم السينما من باب الصدفة، بعدما ذهبت إلى أحد الموانئ الفرنسية الصغيرة لتصوّر بعض المشاهد لصديق مصاب بمرض عضال لم يعد قادراً على زيارة قريته. وهناك قرّرت صنع فيلمها الأول، «لا بوانت كورت»(1954) (وهو اسم الميناء الذي تدور فيه أحداث الفيلم) حول زوجين يعانيان من مشاكل زوجية. وقد اعتبر هذا الفيلم بسبب كسره لقواعد السينما الكلاسيكية ممهداً لأفلام «الموجة الجديدة» التي طبعت السينما الفرنسية في النصف الثاني من القرن الماضي.
وقد عرفت فاردا، التي ولدت عام 1928 لأب إغريقي وأم فرنسة، بنشاطها السياسي المهموم بقضايا الحرية للمرأة والشعوب المستعمَرة وفي الانحياز إلى المهمشين حيث عبرت في مجمل أفلامها عن أشواق هذه الشرائح الانسانية التمسك بالحياة رغم الكراهية والموت ولحظات القلق والحيرة والتوتر.

لكن فيلمها الروائي المعنون «كليو من الخامسة الى السابعة» الذي أنجزته العام 1962، اعتبر أفضل اشتغالاتها في السينما طيلة مسيرتها المديدة، حيث حظي العمل بصدى واهتمام نقدي لافت نظراً لحساسية ما قدمته من مشهدية متقنة الصنعة من ناحية تناول العلاقة بين الزمن الواقعي والزمن السينمائي محموم بحرارة عاطفية وإنسانية عالية تدغدغ فيها دواخل الذات بشتى ألوان البساطة والواقع. وهذا ما جعل أفلامها اللاحقة تجد صدى كبيرا عند النقاد والمتابعين للسينما، ومنها فيلم: «السعادة» (1965)، «المخلوقات» (1966)، «ليونز لوف» (1969)، «الواحدة تغني، والأخرى لا» (1977)، «حيطان، حيطان» (1981)، «بدون سقف ولا قانون» (1985)...، «مئة ليلة وليلة» (1995)، «بعد عامين» (2002)... إلخ.

فيما يلي الجزء الثاني من الدرس السينمائي التي ألقته أنييس فاردا بمهرجان كان السينمائي سنة 2000:

أظن أن كتابة الفيلم ممكنة في كل وقت، في وقت معاينة الأمكنة، وأثناء اختيار الممثلين وغير الممثلين، وفي تشكيل الفريق.
نقوم بهاته «الكتابة السينمائية» بمعية تقني التصوير وفي المونتاج أيضا، وبشكل أكبر في المونتاج. أنا، لدي شعور أني أصور وقت التصوير، وأكتب الفيلم أثناء المونتاج.

في بعض الأحيان، يحدث أن أفكر في التعليق أثناء التصوير نفسه، وهذا التعليق، - المكتوب أو في ذهني- يأتي بصور عديدة، التي بدورها تستدعي تعاليق أخرى..

في حمام ساخن جدا، يمكننا أن نتخيل المونتاج، بشكل هادئ وواضح.. نتخيل كلمات، مشاهد كاملة طيلة مدة الحمام.. أحب أن يكون هنالك نوع من الخلق المستمر، وأن تكون هاته الكتابة السينمائية التي تكتمل عندما ننهي مرحلة الميكساج... ذلك أن اختيار المؤلفين الموسيقيين، واختيارات الميكساج.. كل شيء بالنسبة لي هو اختيار، هو إعادة كتابة.

إن فكرة أن أجلس أمام ورقة بيضاء يخيفني، بالرغم من أنني أنا من تكتب أفلامها وسيناريوهاتها، وكل الحوارات والتعاليق..
مثلا، في فيلم «دون سقف ولا قانون» لم أكتب سيناريو بل ملاحظات، لم أكن أريد أن أعلم كل شيء عن «مونا».. أجده أمرا فظيعا أن يلم السيناريست بكل شيء: الذي فعلته قبلا، الذي ستفعله لاحقا، وما الذي تفعله الآن.. إنه أمر مجدٍ، فعلا، لكن من المهم جدا أن نقول لأنفسنا إن شخصية ما في فيلم روائي، تتعدى مبدعها، تتعدى كاتب السيناريو. أردت أن تكون هناك جوانب من حياتها ومن سلوكاتها غير مفهومة، أردت أن يكون المُشاهد مثلي، يُحاول أن يفهم المغزى، من خلال ما قالته السيدة في الحانة، وما قاله القيِّم على المرأب، وما قاله العامل في البناء الذي رآها وهي مارة، أو تونسي يشذب شجرة كرم...
في حوار ذات يوم، ذكرني أستاذ اللغة الفرنسية برواية ستاندال «الأحمر والأسود»، وقال إن شخصية من الرواية، بمثابة مرآة تتقدم طيلة الطريق، رائع!! لأنه فعلا كذلك.. مونا في فيلم “دون سقف ولا قانون” ، تمثل مرآة، نتعلم أشياء كثيرة حول المجتمع القروي خلال سنوات الثمانينيات، كما استطعت أن ألاحظ على مونا نفسها، تستطيع أن تفهم الآخرين في حين أنها لن تستطيع فهم نفسها.. أثناء التصوير، كنا نكتب في لوحة: “للفهم”.. بالنسبة لي، كانت غير قابلة للفهم.
لقد كانت البنية المختارة صعبة جدا: تسع ترافلينغات غير متصلة.. غير أن مونا كانت دائما تمشي من اليمين إلى اليسار، إنها بنية معقدة، نفس الشيء بالنسبة لموسيقى جوانا بروزدويكز، رائعة لكنها صعبة، ذات الإثني عشرة نغمة... باختصار، هو فيلم لا يدغدغ المتلقي، لكن أرى الأمر عكس ذلك !! أعتقد أن هناك قوة ما في طريقة كتابة الشخصية، وفي التشخيص الرائع لساندرين بونير التي تجلب الغضب اللامصدق والقشعريرة المذهلة.

هناك شيئان متميزان: التحفيز والإلهام، كان طلبي للاستفادة من التسبيق على المداخيل قد قوبل بالرفض، في فيلم عنونته «الكائنات»، وقد أخبروني بذلك أحد أيام الجمعة صباحا، وقد غضبت كثيرا، وقلت:

متى يحين موعد الدورة القادمة؟

أجابني: « الثلاثاء، يجب وضع السيناريوهات قبل الساعة الخامسة بعد الزوال»

سأضع سيناريو آخر.. 

وكتبت سيناريو آخر، عنونته «سعادة»، وكنت أحمل انطباعات، وأحاسيس.. لم أفكر البتة بقصته قبلا، كتبتها طوال العشية وفي المساء ويوم السبت صباحا.. استعملت الكثير من المسودات، لم أغادر السرير أنا وجاك، الذي كان ينقل في أوراق بيضاء، كل ما كتبته وكل ما مددته به، حتى تتمكن فتاة كلفناها برقن النص من جعله قابلا للقراءة بشكل أوضح.. عشية يوم الاثنين أتى موعد التسبيق على المداخيل.

الآن، يمكنني القول إن هذا الفيلم لم يولد إثر إلهام، بل إثر غضب أثار محركي وجعلني أسير على الطريق بسرعة فائقة.. كان فيلمي الأول بالألوان، وكنت مُستثارة جدا لأُجَرِّبَني أمام لوحة تعبيرية، مستوحاة من صباغات جزر فرنسا.
الإلهام شيء آخر.. إنه أكثر صمما، أكثر عمقا، لا يمكننا القول، هكذا، في يوم ما: « أنا مُلْهَمة، وسأنجز فيلما رائعا، سأكتب قصيدة شعرية...»، وهنا، بخصوص الإلهام، أحضرت معي نصا سأقرؤه عليكم، وهو شعر لـ»كونو» من كتاب «لحظة قاتلة». وهو كتاب جميل: 
إلهي العطوف، إلهي العطوف، لي رغبة في كتابة قصيدة قصيرة

ها هي واحدة تعبر

شيئا فشيئا

تعال هنا لأضعها لك

على طول القلادة في قصائدي الأخرى

تعال هنا لأصممك

في لوح من أعمالي الكاملة

كل هذا لأقول إن الإلهام، لا يمكن امتلاكه.. بل الأمر ممكن إن أردنا ذلك، علينا أن لا نتمنى نظم قصائد شعرية، أن لا نتمنى إنجاز أعمال هائلة، بل علينا أن نعمل من أجل ذلك، علينا أن نعمل من أجل ما هو غير مرتب، من أجل اعتقادات صعبة المنال، أو أشياء غير ملموسة.

بونويل، الذي يعتبر أستاذا، قال شيئا رائعا: «في مكان ما بين الصدفة والسر يوجد الخيال، الحرية الكاملة للرجل»، بين قوسين، المرأة أيضا.. هذه الكلمات: «سر»، «صدفة» تبدوان جد صحيحتين، أظن أننا، في بعض الأحيان، نعمل دون أن نعي ماذا نفعل، أي أن هناك أشياء خفية تجعلنا نعمل كذلك، تلك اللقطة، الكتابة بهذا الشكل، طلب هاته الحركة أو تلك.. يلزمنا الكثير من الصدف.. استدعيت الصدفة بكل قوتي في كل مرة أباشر التصوير.. والصدفة أتت، الصدفة تخدمني دوما، ليس بشكل كلي بل تقريبا.
في «Les glaneurs»، دخلنا عند تاجر خردة، وجدنا لوحة لامرأة متشردة، عندما قمت بتصوير «كليو من 5 إلى 7»، سنة 1962 في باريس، فعلا سطرت طريقي قبلا، لكن شاءت الصدف أن تكون هناك محلات تحمل اسم «صحة جيدة»، أخرى تسمى «مأتم»... كل ما كانت له علاقة بالمرض والموت أُريدَ له أن يوجد على طول طريقنا المرسومة.. هو فيلم تدور أحداثه ما بين الساعة الخامسة والساعة السادسة والنصف.. امرأة جميلة جدا تخاف نتائج فحص طبي، تخاف أن تكون مصابة بسرطان ما.. كان موضوع الفيلم حول الموت والجمال.

كانت هناك صورة وبطاقة بريدية تستنسخان لوحة هانس بالدونغ كريان، دير تود أوند دي فرو، الموت والمرأة.. امرأة، جميلة، جميلة البشرة كما نساء اللوحات الألمانية خلال القرن السادس عشر، شقراوات، جميلات، كبيرات.. وهناك هيكل عظمي يهمس كلمات في الأذن.. لوحة أخرى لنفس الفنان حيث الهيكل العظمي يجر شعر المرأة، إنها علاقة الجمال بالموت، المبلل والجاف، اللحم والعظم، الجمال والقبح، هذا التضاد، هذه المواجهة.. تكفيني صورة واحدة لأعرف عن ماذا يتحدث الفيلم.. كنا نتوفر على تلك البطاقة البريدية طيلة مدة تصوير «كليو من 5 إلى 7»، ألصقتها في جانب من الديكور.
وعندما أعددت وصورت «جاكو نانت» الذي يدور حول طفولة جاك ديمي كما حكاها لي، كان لنا الحظ أن نصور في الورشة الحقيقية التي نشأ بها. لكن أين كانت تقع تلك الحفرة القديمة التي تسمح للعامل بالنزول تحت السيارة؟ لا جاك ولا أمه تذكراها.. وقلت: «إذن، سنخترعها، سنختار الموضع الأحسن لنتمكن من تصويره من كل الجهات».. استدعينا بَنّاءً، وقام بتقييم الثمن في حدود اثنين وعشرين ألف فرنك، كان من الواجب حفر متر وعشرين سنتيمترا عمقا، «هيا، سيحفر، وبعد عشرين سنتيمترا سيسقط في الهوة القديمة».. ولأسباب سينمائية صرف، كنت قد وجدت المكان الصحيح للحفرة التي تعود لسنة 1940، تروقني مثل هذه القصص، هكذا يساعدنا السر والصدفة على العمل، دون أن نتحكم فيهما.

إن الفيلم «جاكو نانت» هو بحث عن الخيال. كثير من السينمائيين، كثير من الكتاب... يتكلمون عن طفولتهم الخاصة، لكن أنا، قمت ببحث وتحرٍ في طفولة جاك، كان مرتاحا وهو يحكي لي، لم أكن أقرأ أفكاره، لم يكن يعلم تماما ما الذي أفعله، لكنه كان يعلم جيدا أنني بصدد تصوير طفولته، لأن طفلا يشبهه كان يجلس أمامه، امرأة تشبه أمه كانت قد لعبت دور أم الصبي، رجل لعب دو الأب وكان أيضا يشبه أباه.. وأنا، كنت قد اخترعت حوارات عائلية من وحي ما كان يقال في العائلة سنتي 1942/ 1943، ومن وقت لآخر أطلب منه «أنصت، هل كنت تسمع هذا؟ هل هذا هو بالضبط؟ هل هذا صحيح؟» وكان في مرات عديدة يقول لي: « أنا هو، أنا هو»، أظن أنه وجد طفولته تماما كما كنت أتخيلها، أو كما كانت حقيقية. قد يحدث أن أتخيل أشياء قيلت تماما.. يمكن أن أكون قد اخترعت.. ليس للأمر أية أهمية، مادام قد قبلها كما لو كانت جزءا من طفولته، واعترف بها.
أظن أن الأهم هو التواصل وليس الفهم، لست واثقة.. من جهة أخرى، ينبغي على المشاهد أن يفهم ما يرى، لكن عليه أولا أن يحس، أن يتواصل وكل الأمور، بما فيها تلك التي تشغل مبدع الفيلم.. القلق والانشغال لا يُفهمان بالضرورة، بل يحققان تواصلا.
عن طيب خاطر، أتكلم عن أشياء أخرى غير السينما، لأن هناك أساتذة أكفاء جدا في الكليات ومدارس السينما، يُعتبرون مراجع في السينما وأيضا مراجع في التقنية.. نعم التقنية تُلقن بسرعة، بغض النظر الآن عن وجود ثورة كاميرات صغيرة رقمية، نتحدث الآن عن عصر نستطيع فيه أن نُؤفلم ما نفكر فيه، تماما كما لو كنا نُدوِّن ملاحظات. 

في جزء من فيلم « Les glaneurs »،على الأقل ربع ساعة، أنجزتها لوحدي، عندما صورت شعري، أظافر رجليَّ أو يدي في الطائرة، أتيت بأشياء قد لن أستطيع أن أطلبها من تقني أن ينجزها.. فكرة محاولة الإتيان بشيء شخصي من شأنه أن يحركنا في فيلم مهني، هي مسألة تغير قليلا من المعطيات.

أحب أن أصور ما أسميه « الناس الحقيقيون»، لا أتحامل على الممثلين، بل اشتغلنا معا بكثير من المتعة، لكني كنت دائما مندهشة من الناس، ناس الشارع، ناس البادية، ناس نلتقيهم عندما يكون لدينا متسع من الوقت، عندما تكون لدينا الرغبة في ملاقاتهم.. ما يقولونه، ما يفعلوه، طريقة تعاملهم هي درس رائع.. هناك كلمة أخرى، كلمة صغيرة لـ»كانو»، كانت مضحكة جدا: كان يتكلم بخصوص كل «رجل صغير»، بخصوص هاته الحيوات.. الفكرة، هي أن ضخامة هذا الكون تتسع حتى لأصغر النقاط، التي تبدو- كل منها على حدة- كل شخص لا يمكننا معرفته إلا إذا اقتربنا منه، والتقيناه، واهتممنا به... إذا ارتبطنا به، إذا أخذنا في تصويره، وفغي إعطائه وجودا آخر، الوجود المؤفلم.

ففي هذه اللحظة تصبح تلك الشخصية المجهولة شخصية معروفة، لأن وجودها ينتقل الى أشخاص آخرين، يبدأون في التعرف عليها، ومن ثمة يبدأون في حبها.

وهكذا أتذكر أنه عندما أنجزت فيلما وثائقيا حول أناس الزقاق الذي أقطنه، فيلم Daguerreotypeكان هناك بزاز وبزازة، لم يكونا صغيرين في السن، ولم يغيرا واجهة محلهما منذ ثلاثين سنة. كان يصنع بنفسه عطوره التي كان يضعها في قوارير، وكانت هي تتحرك كروح تائهة داخل المحل. كانت تنسى، كانت لا تتذكر الأشياء، غريبة نوعا ما، وكل يوم في الساعة السادسة مساء كانت تفتح الباب وتذهب هكذا على الرصيف. زوجها الصارم كان يقول: «في كل مساء تريد الرحيل، لكنها لا ترحل». فهذه المرأة وزوجها، اعتقد أنه لا يمكن نسيانهما. تلقيت مرتين رسالتين من أشخاص يسألونني: «انت الذي أنجزت هذا الفيلم، هل بإمكانك أن تقدمي ورودا لهذه السيدة؟ وهناك أناس اخرون في بلدان بعيدة حدثوني عنها. تلك السيدة.. ماتت، لكنها تبقى كمرجع، شخصية في الفيلم الوثائقي تظل في ذاكرتنا، وفي فيلم Les glaneursهناك شخوص لا يمكن نسيانهم، ذلك الرجل بحذاءه الطويل الذي يجوب المدينة من صندوق قمامة إلى آخر، وهو يقول: «أنا ملك المدينة، الجميع، يرمي كل شيء وأنا احصد كل شيء».
لست أنا من كتب هذه الحوارات، هو من كتبها كلها. فإنجاز الفيلم الوثائقي ليس مهما فحسب، بل هو مدرسة للتواضع.
نتحدث في كل وقت وحين عن النفايات النووية، لكننا لا نتحدث عن واقع أناس أثارني، أناس يعيشون على فضلات الآخرين، واقع أناس يقتاتون من بقايا حاويات الأزبال، يجمعون ما في الأسواق عندما ينتهي السوق، أناس يعيشون من بقايانا. أقول بقايانا لأننا نحن الموجودون هنا، نأكل بشكل طبيعي تقريبا. لا نحس بالجوع. لكن هناك أناس يحسون بالجوع وفقراء الى درجة جمع النفايات والبقايا في الأسواق. اثارني ذلك إلى درجة أنني أردت أن أنجز فيلما حول الموضوع، فيلم صادق. لا أريد إنجاز فيلم بنبرة بئيسة، بل فيلم حول «كيف يعيشون هم أنفسهم هذه الوضعية، ماذا يقولون عنها، أفكارهم حولها، نظرتكم للمجتمع». فكلما اقتربت من هؤلاء الناس الفقراء جدا أو الاذكياء جدا أو فقط المليئين بأحاسيس عميقة، كلما اكتشفتهم أكثر. هم في الغالب أسخياء، وهو شيء مثير للمتعة، والمرح النسبي لأناس يعيشون في البؤس…

عموما، عندما أنجزت فيلما وثائقيا، أنجزت بعده فيلما تخييليا، والحدود بين النوعين غير مغلقة (…) لابد أن تحس بنصية توثيقة في الأفلام الخيالية، ولابد من خلق شخصيات في الأفلام الوثائقية ففيلم «بلا سقف ولا قانون» فيلم خيالي، بمعنى أن منى شخصية مختلقة، فكل شيء مكتوب، حتى لو كانت شخصيتها تتغذى ومستلهمة جزئيا من أناس التقيتهم، ومن أشياء سمعتها أو رأيتها. على سبيل المثال، التسكع طيلة ساعتين أو ثلاث، أثناء الليل في محطات القطار عندما لا تكون هناك قطارات. وبطبيعة الحال التحدث مع الناس في البادية. الفيلم موثق لكن الشهادات في الفيلم مكتوبة. إنها ليست شهادات حقيقية. وخلال التصوير، احتفظت بهذه البنية التوثيقية للنص حتى نصدق القصة (…).

في الأفلام الوثائقية الاشخاص الذين نلتقيهم أو نصورهم مهمون وغير متوقعين إلى حد أنهم يصبحون شخصيات كما لو أنهم شخصيات فيلم خيالي. 

أنا انتقل من الوثائقي إلى الخيالي والعكس صحيح.. طريقتي في التفكير وكل أفلامي تتضمن التناقض: الأفلام الوثائقية والأفلام الخيالية الزمن الذاتي والزمن الموضوعي. هذا يغني، والآخر لا، الحمال والموت. فالصيادون في فيلم «لا بوانت كورت» عبارة عن زوجين يتحدثان. هذه التناقضات تعني كذلك خلق الفرجة والحديث عن الحياة الداخلية، إنه مجال الداخل الذي يجب أن يجد شكلا سيكون إطاره وصوره هو مجال الفيلم. وليكون كل هذا العمل في الداخل والخارج، أشعر بنفسي قريبة من القطط. لقد لاحظتم: عندما يكونون في الداخل، يريدون الخروج، وعندما يكونون في الخارج يريدون الدخول. هل هذا درس في السينما؟ لا أدري، أقول أي شيء..

أريد أيضا أن أتحدث عن مدة السينما، التي ليست زمنا. أنا التي كنت مصورة، رأيت الفرق. فالصورة، أضعها على الحائط، ويمكنكم أن تشاهدوها لثانيتين أو لخمس دقائق. يمكنكم إما أن تبقوا أمامها، أو يمكنهم أن تفعلوا في اليوم الموالي. أنتم الذين تختارون مدتكم. أما في السينما، فالمخرج هو الذي يفرض عليكم مدة المشاهدة. فإذا، وضعت في فيلم لقطة لبطاقة بريدية مدتها خمس ثوان، فأنتم ستشاهدونها لمدة خمس ثوان، وليس ست، ولا ثلاث، ولا أربع. فالمشاهدون ألفوا اللقطات المكبرة التي تستغرق خمس ثوان، أو اللقطات المتحركة التي تستغرق عشر ثوان. أما التحول الكبير، فهو الفيديوكليبات التي نشاهدها في التلفزة، وهي موضبة بارتجال وأقصى سرعة. لقد غيروا تلقي المشاهدين للزمن. لم يكن بوسعنا أن نتخيل هذا في سينما الماضي. كثير من الأفلام القديمة تظهر لنا بطيئة. إنها جميلة ربما، ولكننا نشعر بها بطئية. لا أقول هذا من أجل أن أقترح عليكم أن تقوموا بمونطاج مرتجل... أريد أن أقول بأنه وقع مؤخرا التلاعب بزمن المشاهدة المقترح أو المفروض على المشاهدين..

هناك مخرجون ينجزون لقطات طويلة جدا، مثل شانتال أكيرمان في فيلم «جان دييلمان»، حيث نشاهد بطلة الفيلم «دلفين» الرائعة وهي تقشر البطاطا بشكل كامل. كان الأمر صادما تقريبا، إنها مدة أنشأتها شانتال. ومن المهم ومفيد في الوقت نفسه أن يكون بوسعنا القيام بذلك. وكذلك فعل غودار الذي عودنا على لقطات غريبة تستغرق أحيانا مدة غير مفهومة يفرضها. ليس علينا أن نفهم ذلك أو نحبه، ولكننا نعرف بأن لهذه المدة أثر. وعملنا يقتضي أن نتوقع ما هو الأثر الذي يخلفه ما نقوم به. وليس أن نقوم بالعمل قائلين: «لنرمي به كيفما اتفق، ما دام بإمكانهم تدبر أمرهم». عملنا يفرض علينا أن نقول: «ما هو التلقي الممكن لما أشعر به بالنسبة للمشاهد؟»، هذا على افتراض أن لدينا قاسما مشتركا بالنسبة لانطباعاتنا ومشاعرنا..

إن مشروع فيلم «كليو» هو الانتظار الذي تبديه تلك المرأة المطبوعة بالخوف، ولهذا فإن زمنها ينضغط ويتمدد، فالساعة تكون الخامسة، ثم تصبح الساعة الخامسة و20 دقيقة، ويتوالى الزمن. إنها لا تتلقى الوقت بالطريقة نفسها، ولا الخوف بالطريقة نفسها. هناك الزمن الذي يقاس بالساعات، وبالمسرعات، وبعدادات السرعة، وهناك الزمن الموضوعي، أي الزمن الذي نشعر به. فأثناء خروج فيلم «كليو» إلى القاعات، قمنا باستطلاع صغير للرأي، وطلبنا من الناس إرسال أجوبتهم. كانت الأجوبة رائعة، وقد احتفظت ببعضها. فهم الناس جيدا الفيلم. كانت هناك ردود دقيقة جدا وذكية. قلت لنفسي: « المتفرجون ينتبهون جيدا.. كل شخص يتلقى الفيلم وكأنه موجه إليه...

وبالنسبة للناس، أريد أن أقرأ قصيدة كتبها كينو Queneau، وهي مأخوذة من سلسة «Si tu imagine»، وتحمل عنوان «الفضاء الانساني». إنها قصيدة مثيرة للفضول:

الفضاء الانساني منحني

حق أن أكون فانيا

واجب أن أكون متحضرا

الضمير الإنساني

عينين لا يعملان مع ذلك جيدا

قدمين ويدين

اللسان

الفضاء الإنساني منحني

أبي وأمي

أبناء عمومة بالمجارف

وأجدادا

الفضاء الانساني منحني هذه القدرات الثلاثة

الإحساس، الذكاء والإرادة

كل واحد بشكل متعدل

الفضاء الإنساني منحني

اثنين وثلاثين سنا، قلب، كبد، أحشاء أخرى وعشرة أصابع

الفضاء الإنساني

ما يجعلني راضيا

فعبر ثلاث كلمات رائعة، «الإحساس، الذكاء والإرادة»، قال كل ما أراه واجبا.

هناك أساتذة في السينما، وهناك أيضا مرشدون في الحياة. وبالنسبة إلي، يعتبر غاستون باشلار وناتالي ساروت هما شيوخي.. مرجعيتي. في الصين، يضعون على مهود الرضع صورتين تمثلان كائنات حامية. فكرت دائما في باشلار وستاروت، فقد حمياني خلال حياتي كلها من القماءة. فبفضل حمايتهما، أحس أحيانا بأنني بليدة، لكن لم أشعر قط بنفسي قميئة. أريد أن أستشهد بساروت، لكنني سأنهي الدرس ببياشلار: «الخيال الذي يحكي ينبغي أن يفكر في كل شيء، ينبغي أن يكون ممتعا وجادا، وينبغي أن يكون عقلانيا وحالما. يلزمه أن يوقظ الاهتمام العاطفي والروح النقدية».

نعم، هذا هو ما أريد فعله، أنا المخرجة.

جريدة الاتحاد الاشتراكي 3/25/2016

 
Crise de leadership ?

 

Écrit par Mohammed Bakrim

Le court métrage a souvent fonctionné comme indicateur de l’état de santé global du cinéma marocain. Son évolution même est à l’image de l’évolution de ce cinéma. Pendant longtemps, le cinéma marocain était tout simplement réduit à sa production de courts métrages; durant une bonne partie des années 1950 et des années 1960.

Certains observateurs n’hésitent pas d’ailleurs à qualifier cette période tout simplement d’âge d’or, non pas du court métrage mais de tout le cinéma marocain. Notamment dans sa version documentaire. De jeunes cinéastes issus de la prestigieuse école de cinéma parisienne, l’IDHEC, ayant rejoint le centre du cinéma marocain ont produit et réalisé des films d’une grande richesse thématique et visuelle. Inscrit dans un dispositif institutionnel qui en faisait des films de commande (il n’y avait pas de télévision à l’époque), cela ne les a pas néanmoins empêchés à faire preuve de créativité et d’imagination, aussi bien dans les fictions à visée didactique que dans les documentaires de vulgarisation ou de promotion. Des noms comme Benchekroun, Bennani, Afifi, Lahlou, Tazi, Bouanani, Rechiche… ont marqué cette époque.

Plus tard, avec l’arrivée de la télévision, l’éclipse du cinéma et le retrait du CCM de la production directe, le court métrage va être à l’image de la traversée du désert du cinéma marocain, particulièrement durant la période des années 1970.

Avec l’entrée en vigueur du système de l’aide publique au cinéma, notamment depuis l’instauration du fonds d’aide à la production, le cinéma marocain va connaître un certain décollage, qui ne manquera pas de profiter au court métrage. Une date à marquer d’une pierre blanche dans ce sens, le Festival national du film de Tanger en 1995. Cette édition va voir débarquer (au sens propre et au figuré !) une nouvelle génération de cinéastes court-métragistes, qui donneront à ce format ses lettres de noblesse et lui assureront un nouveau départ. Il s’agit de Nabil Ayouch, Lakhmari, Lagzouli, Ulad Mhand… On peut parler en toute logique d’une nouvelle vague, portée par un réel désir de cinéma. Une vague qui sera prolongée et portée au fur et à mesure de l’évolution du système de production par des figures emblématiques. C’est ainsi que nous aurons symboliquement des périodes centrées sur tel cinéaste ou tel autre ; autour duquel gravitent de nouvelles générations issues de parcours diversifiés : écoles de cinéma, cinéphile, autodidactes... C’est ainsi que nous avons eu, après la période Lakhmari, une période Faouzi Bensaïdi. A Oujda en 2003 commence la période Mouftakir qui va nous conduire jusqu’à la fin de la première  décennie des années 2000, qui voit arriver l’ère Aziz Fadili. Depuis lors, c’est le silence plat. Aucune figure n’a réussi à s’imposer comme porte-drapeau de la nouvelle génération de court-métragistes marocains. Le court métrage est orphelin, sans leadership.

Certes des noms ont bien marqué les dernières éditions du Festival national du film. Je pense à Hicham Lasri, avant son passage au long métrage ; à des cinéastes issus de la diaspora, lors de l’édition de 2014 en particulier... mais depuis, aucun jeune cinéaste n’a su imposer une démarche spécifique, ni l’ébauche d’une vision, ni même un ancrage dans une tendance esthétique déterminée. Cela a été confirmée lors des dernières éditions avec la prépondérance de films portés plus par un jeu formel, un flou thématique, voire un éclectisme esthétique. Au mieux on assiste à un remake de certains succès cinématographiques au point de telle sorte que l’on pourrait parler d’un courant post-casagnégra (voir le court métrage récompensé lors de la dernière édition du FNF). Cela invite certainement à s’interroger sur l’ensemble du dispositif en vigueur : aide à la production, formation ; présélection…

L’arrivée de nouveaux modes de « fabrication des images » et de leur diffusion via le web, notamment, est certainement en train de bousculer toute une conception – classique -  du court métrage.

 

Journal Al Bayane du 25 – 03- 2016

 
الدرس السينمائي .. أنييس فاردا : تعلمت اللون، الضوء والتأطير من التشكيل

 

تقديم وترجمة: سعيد منتسب - جميلة عناب

أنسييس فاردا، مخرجة من «الموجة الجديدة في السينما الفرنسية» التي استطاعت إلى جانب فرنسوا تروفو وجاك ريفيت وإيريك رومر وجان لوك غودار وكلود شابرول.. إلخ، نقل السينما الفرنسية إلى منطقة أخرى أكثر حرية وأكثر إبداعية، حيث برعت باقتدار كبير في الخلط بين تيارات الإبداع السينمائي وأضافت عليها لمسات مليئة بعناصر البهجة الممتعة الى أقصى حدود الفرادة في التقاط الشخصيات والوقائع. 
فمن مصوّرة فوتوغرافية، استطاعت فاردا إلى عالم السينما من باب الصدفة، بعدما ذهبت إلى أحد الموانئ الفرنسية الصغيرة لتصوّر بعض المشاهد لصديق مصاب بمرض عضال لم يعد قادراً على زيارة قريته. وهناك قرّرت صنع فيلمها الأول، «لا بوانت كورت»(1954) (وهو اسم الميناء الذي تدور فيه أحداث الفيلم) حول زوجين يعانيان من مشاكل زوجية. وقد اعتبر هذا الفيلم بسبب كسره لقواعد السينما الكلاسيكية ممهداً لأفلام «الموجة الجديدة» التي طبعت السينما الفرنسية في النصف الثاني من القرن الماضي.
وقد عرفت فاردا، التي ولدت عام 1928 لأب إغريقي وأم فرنسة، بنشاطها السياسي المهموم بقضايا الحرية للمرأة والشعوب المستعمَرة وفي الانحياز إلى المهمشين حيث عبرت في مجمل أفلامها عن أشواق هذه الشرائح الانسانية التمسك بالحياة رغم الكراهية والموت ولحظات القلق والحيرة والتوتر.
لكن فيلمها الروائي المعنون «كليو من الخامسة الى السابعة» الذي أنجزته العام 1962، اعتبر أفضل اشتغالاتها في السينما طيلة مسيرتها المديدة، حيث حظي العمل بصدى واهتمام نقدي لافت نظراً لحساسية ما قدمته من مشهدية متقنة الصنعة من ناحية تناول العلاقة بين الزمن الواقعي والزمن السينمائي محموم بحرارة عاطفية وإنسانية عالية تدغدغ فيها دواخل الذات بشتى ألوان البساطة والواقع. وهذا ما جعل أفلامها اللاحقة تجد صدى كبيرا عند النقاد والمتابعين للسينما، ومنها فيلم: «السعادة» (1965)، «المخلوقات» (1966)، «ليونز لوف» (1969)، «الواحدة تغني، والأخرى لا» (1977)، «حيطان، حيطان» (1981)، «بدون سقف ولا قانون» (1985)...، «مئة ليلة وليلة» (1995)، «بعد عامين» (2002)... إلخ.

فيما يلي الدرس السينمائي التي ألقته أنييس فاردا بمهرجان كان السينمائي سنة 2000:

«وأنا أقول «نعم»، أرغب دائما في الضحك حين يقترحون علي تشريفا، لقبا، منصة، بطاقة بيضاء أو بطاقة بريدية. فعندما اقترح علي جيل جاكون إلقاء درس في مهرجان كان 2000، بعد مخرجين ذائعي الصيت، شعرت بالإطراء، أي نعم، لكنني تذكرت بسرعة سلفادور دالي حين تم استدعاؤه في ندوة بالسوربون، في الوقت الذي كان فيلمي الأول سيعرض، لأول مرة، في قاعة سينمائية واحدة. أتى على متن سيارة «رولز رويز» مملوءة بالقرنبيط. وأنا أفكر في دالي، قبلت الدعوة عن طيب خاطر. فعلى سبيل الافتراض، كان يمكنني أن آتي على متن سيارة «كاديلاك» عارية السقف مليئة بالبطيخ، وعلى طاولة «قاعة السفراء» (الخاصة بالسيارة)، يمكننا أن نضع إبريق ماء بمذاق الليمون على مفرش من أوراق الأقانثا والميموزا. أما بالنسبة لإلقاء درس، فأشعر بأنني عاجزة عن إعطائه. لكن إذا كان هناك أشخاص مستعدون للاستماع إلي، سأتحدث بكل أريحية وسأتحاور مع الأشخاص الجالسين أمامي. فالحديث عن السينما، عن السينما التي أصنع، وتلك التي أحب، هو دائما متعة».

كتبت هذا قبل شهر، والآن أشعر مع ذلك بالخيبة. حسنا، الكاديلاك كانت أمرا افتراضيا، لم أطالب بذلك كثيرا، لكن الميموزا، كان بإمكانهم أن يجدوها مع ذلك. إذن، ليس هناك ميموزا، فليس هناك أوراق الأقانثا، وليس هناك ماء بطعم الليمون. الماء عاد، وهم لم ينفقوا علينا الكثير من المال. لكني جئت ببضع إكسسوارات، لدي ملف بنفسجي، وأنا مخلصة لسمعتي في حب الألوان. لدي طوابع بريدية، منها واحد بـ 2.7 فرنك، يجسد قطة. وعندما مررت بسوق الخردة، أمس، اشتريت ساعة، لأنه لا ينبغي علينا أن ننسى الوقت الذي يمر: الساعة الآن 14 و45 دقيقة عندما نبدأ، وعلينا أن نحرص على الوقت.
كيف يمكننا أن نتعلم السينما؟ سأحاول أن أخبركم عما وقع معي. عندما أخرجت فيلمي الطويل الأول سنة 1954، كنت قادمة من الفوتوغرافيا، أي نعم، ولكن ليس من أي مدرسة للسينما. لم أقم بالمساعدة في الإخراج، وعلي أن أعترف بأنني لم أشاهد سوى 5 أفلام وعمري 25 سنة. لم أكن أذهب إلى السينما. فالكثير من مخرجي الموجة الجديدة كانوا «سينيفيليون» ملتزمون، ويقال إن سراويلهم الداخلية بليت من كثرة التردد على المكتبات السينمائية. أنا لم آتي من السينما، هذا مؤكد، ولم أكن أبدا جرذ مكتبة سينمائية. كنت فأرة لا شيء على الإطلاق، ربما فأرة متحف، مسرح أيضا، وربما فأرة مكتبة صغيرة. قرأت كثيرا إلى غاية الثلاثين سنة، وأحببت كثيرا التشكيل. لم أذهب إلى مدرسة.. لكن مدرسة الحياة، ها ها. لا أعني هنا تماما ما يحدث لنا بالضبط: أحداثنا، مشاعرنا، هذا نعم بالتأكيد.. لكن بالأحرى رؤية ما يحيط بذواتنا.
عندما كنت في الولايات المتحدة، اقترحوا علي أن أعطي دروسا لطلبة السينما CalArtلمدة ثلاثة أيام. إنها جامعة بالقرب من لوس أنجلوس. فقلت لهم: «لتأتوا بكاميرات 16 مم»، وذهبنا إلى داونتون في لوس أجلوس، إلى مقهى شعبية، يتردد عليها الكثيرون. قلت لهم: «ضعوا إحدى الكاميرات هنا، والأخرى هناك». أما النظام التعليمي الذي أجبرتهم عليه، وهذا ما ينبغي قوله، فهو أن لا يضعوا الفيلم في الكاميرا. فالمشكل ليس هو التصوير، بل المشكل هو التعود على الرؤية من خلال العدسة، ومن خلال إطار الكاميرا، أي ما سيصبح صورة، كيفما كانت، لكن صورة مغلقة بإطار: رؤية كيف تتحول الحياة إلى مشهد، وكيف تتموضع. يمكنكم أن تقوموا بالتجربة في أي مكان، أن تجلسوا في مقهى، وأن ترسموا إطارا، ثم تراقبون ما يحدث داخله. وسترون بأن الأشياء تقع بطريقة رائعة. هناك من يأتي هكذا، ثم يقف. هناك طفل يركض هنا، وهناك رأس تصبح في الواجهة. هناك مجريات حياة تقع أحيانا بشكل فرجوي. ليس بالضرورة في الوقت نجلس فيه بالمقهى. أحيانا بعد خمس دقائق، وأحيانا بعد نصف ساعة. كأننا نريد القول بأننا لو تركنا الكاميرا تصور في مكان معين، سنحصل على الأقل على خمس أو ست لحظات من اليوم عبارة عن مشاهد سنكون ربما عاجزين عن إنجازها بالعبقرية نفسها. فالحياة تتحول إلى مشاهد، وهذا ما ينبغي ملاحظته..
تعلمت كثيرا من التشكيل، من تطبيقات واقعية. فلأختار المرأة الشابة في فيلم «بوانت كورت» la pointe courte، فكرت في لوحات بييرو ديلا فرانسيسكا، حيث النساء بأعناق جميلة هكذا، طويلة كفاية وعريضة قليلا. فطلبت، إذن، من سيلفيا موتفورت أن تلعب «هي» (ما دام يتعلق الأمر بـ»هي وهو»).
شيء آخر تعلمته من التشكيل، إنه التأطير. لنأخذ تشكيليا مثل ديغاس، ولنتحدث عن راقصاته الصغيرات. لكن حين نتحدث عن مجموع لوحاته، فلديه طريقة تأطير مذهلة. هناك دائما في «تأطيره» شخصية على وشك الخروج: قدم، ساق، طرف من تنورة، أحد ما يهم بدخول الإطار. قالوا لي إنه يقوم بنسخ لوحاته بنفسه، يرسمها ثم ينسخها. وما ينبغي بالفعل تعلمه أو القيام به هو أن تقول لنفسك: «الإطار الجميل هو عندما يكون كل شيء في المكان المناسب، وكل شيء يكون ممتلئا، والفضاءات تكون ممتازة، وليس هناك في اليمين سوى ما ينبغي أن يكون هناك فقط، وفي اليسار، والوسط، والأسفل». ينبغي، على العكس، أن نفهم بأن الإطار ما هو سوى جزء من الذي ليس في الإطار، أي ما هو خارج الإطار، أي الشيء الذي يقع قبله تماما، ليس على مستوى المدة، بل على مستوى الصورة. ينبغي أن نمنح المشاهد إمكانية أن يتخيل ما لا يراه. وهنا أشير ميكاييل سنو وفيلمه «Wavelength»، وأفكر في فيلم «الرجل الذي ينام» لأندي وارهول.
أحب أن أتحدث عن فويلار، بونارد وهونكي لأسباب مختلفة، والتي ترتبط، عند كل واحد منهم، بالضوء، باللون أو بالتعبير. فيما يخص الفنانين التشكيليين القدامى، فلم تكن هناك سينما، ولا تصوير فوتوغرافي، وكان يتعين عليهم أن يعبروا، وأن يجعلوا الآخرين يشعرون بأحاسيس معينة، كالرعب، والشفقة.. وكل هذا.
فخلال تصوير فيلم Glaneursعلى سبيل المثال، توقفت في مدينة بون لأصور لوحة «القيامة» لروجيي فان دير ويدن، وهي اللوحة التي أحببتها دائما.. عذرا إن سمحت لنفسي بهذا الاستطراد الصغير. فأنا أجد هذه الصورة رائعة، أن تزن الأرواح، وأن يكون الناس في الوقت نفسه أرواحا وأجسادا، وأن يقع التصالح لديهم بين الروح والجسد. ففي هذه اللوحة التي تعود إلى القرن 15، نرى رجلا مرتعبا من صعوبة وجوده في المطهر: هناك حركة رائعة، يده كلها في الفم ويشد على أذنه. وهذه حركة أجدها مذهلة، إنها ليست حركة مخرج سينمائي، وليس حركة كوليغرافية، إنها حركة ابتكرها الفنان ليعبر عن شيء خارق. والسينما، بالنسبة لي، هي محاولة التعبير عن هذه الحركات المستحيلة.

فمن الواضح أننا إذا أردنا أن نفهم الضوء، علينا أن نشاهد فيرميير، دي لاتور.. ففي عالم أكثر عصرنة، تأثرت السينما بإدوار هوبر، هذا الفنان الأمريكي الذي يرسم هكذا، أناسا في المقهى مساء، ونساء قرب النوافذ عندما يكون هناك أفق.. وأناسا مهجورين في غرف فنادق.. يظهر لي أن هذه الرسومات ألهمت السينما بلون معين، بطريقة معينة لتسرب الضوء. وبالعودة إلى لوحات أكثر قدما، يكفي مشاهدة أعمال تلك المرحلة التي كانوا يرسمون فيها عمليات الصلب، وإنزال الصليب، وأشياء مثل تعبيرات العنف المذهلة، والمعاناة، واليأس، لإحداث التأثير.. بل هناك أحيانا، تعبيرات لا يمكن لأي حركة التعبير عنها. الحركة المتوقفة، التعبير المتوقف.. يكثف كثيرا الذي وقع قبل ذلك وبعده.

وتشتغل السينما كنظرة ثانية، كقراءة ثانية. على سبيل المثال إذا شرعنا في النظر مليا إلى شخص نعرفه جيدا، كنا نحبه أو لا، فإننا نكتشفه بالفعل.. أنظروا إلى يدي. إنها لطيفة بما يكفي، لا بأس، إنها شائخة قليلا، لكن لا بأس. وإذا صورتها عن قرب، مطوية هكذا، سيكون الأمر فظيعا فجأة: كل الشيخوخة توجد في ثنايا يدي. أريد أن أتحدث عن النظرة الحادة، الميكروسكوبية، حيث النظرة العاشقة أو النظرة الغاضبة أكثر كثافة من العادي. وعلى الشباب الذين يريدون أن يصبحوا مخرجين سينمائيين، ما دام الأمر يتعلق بدرس سينمائي، أن يستوعبوا ذلك جيدا. إن هذه «النظرة الثانية» أيضا عمل بنيوي، سواء أكان كتابة أو مونطاجا (توضيبا)، ينظم من أجل أن يكون قابلا للانتقال..

أستعمل غالبا كلمة «Cinécriture» لأتحدث عن عملي. لا أستسيغ قول «هذا سيناريو مكتوب جيدا». ما هو السيناريو إذا لم يكن مرحلة انتقالية بين تخييل السيناريست والفيلم؟ هذه المرحلة الانتقالية موجودة من أجل إيجاد المال، ومن أجل إذهال المنتج، ومن أجل إقناع الممثلين. إننا نقرأ سيناريوهات محبوكة جيدا، هناك الكثير منها بالفعل. ففي السيناريو، حتى لو كتبنا «travellig avant»، فإننا لا نقول من أين تنطلق سرعة الترافلينغ، ولا نقول إلى أين تصل، لا نقول إنها فوضوية أو عادية. أعطوا هذا السيناريو لخمسة مخرجين مختلفين، فستحصلون على خمسة أفلام مختلفة، حتى لو سلمنا بأنهم احتفظوا بالحوارات نفسها. فالسيناريو ينبغي أن نسميه «مرحلة نحو الفيلم».

الاتحاد الاشتراكي - 3/18/2016

 
"أفراح صغيرة" وآمال كبيرة

 

بقلم محمد مفتكر ترجمة: س.م

هناك أفلام تشبه حيزا من الحياة ينفتح طرفاه على اللامنتهي الأبدي. فمشاهدها الأولى ليست هي البداية، ومشاهدها الأخيرة ليست أبدا هي النهاية. تدخل إليها في أي لحظة وتشارك فيها كما لو أنك لم تضيع شيئا. وحين تغادر القاعة المظلمة ينتابك إحساس مر بكونك تركت جزءا منك وحياةً تستمر، للأسف، في غيابك. هذا النوع من الأفلام هادئ، يسحرك، ينزع سلاحك، ويحضنك بين ذراعيه مثل عشيقة ناعمة حنونة. تستسلم لجمالها منذ النظرة الأولى وتسقط في غرامها دون أن تدري. وفيلم «أفراح صغيرة» لمخرجه شريف طريبق واحد من تلك الأفلام.

فيلم «أفراح صغيرة» عبارة عن مجموعة من الحكايات الصغيرة محكية وسط عالم نسائي، مصورة بواسطة كاميرا متسللة داخل حميمية نسائية، يشاهدها رجل خجول متكتم ومختف. هذا الفيلم لا يستفزك بل على العكس يطمئنك ويقودك بدون اصطدام داخل هذا العالم شبه الخرافي من البداية وحتى النهاية. وأنت كمشاهد تتابعه دون تحفظ متعطشا لمعرفة المزيد. وتتحول طيلة هذه الرحلة، إلى ذلك الطفل البريء المسموح له بدخول هذا العالم النسوي والبقاء فيه ما دمت هادئا ولطيفا. ومثل صاحب الفيلم تراقب هذه الحياة النسوية عن بعد بلياقة وبدون أية أحكام. فالكاميرا تبقى بعيدة ومختفية، وغير متحركة طيلة الوقت، لأنها هي عين الملاحظ الذي لا يريد أن يعرف بوجوده أحد. لا تنسوا أيها السادة أننا في حضرة النساء.. فوجود رجل عند النساء، كلما كان مختفيا، كلما أمكنه البقاء أكثر، وكلما رأى أكثر. فأدنى تدخل أو حركة خاطئة من جانبه سيعاقب عليها ويرمى به نحو الخارج. ولقد فهم مخرج الفيلم ذلك، يريد أن يبقى في هذا المكان أطول مدة ممكنة ونحن معه. 

لا نحس بمصادر الإنارة في كل مشاهد هذا الفيلم التي صورت في مجملها بكاميرا واحدة «عيار 32 ملم» إلى درجة تعتقد معها أنك أمام واقع مصور كما هو. زوايا تصوير المشاهد محايدة لكنها منتقاة بعناية. كل المشاهد ثابتة، لا حركة للكاميرا تزعج هذا التوازن. لا وجود لموسيقى مصاحبة للفيلم تبحث عن تكثيف ردود فعل الممثلين أو تجميل الأشياء بشكل مصطنع، خارج ما يغنيه الشخوص في مختلف الاحتفالات. والمخرج لا يخاف من أخطائه، بل على العكس يتبناها ولا يريد إخفاءها، خلافا لأفلام أخرى التي تغرقنا في الموسيقى كلما نزلت وثيرة الفيلم أو كلما لم يعد لديهم ما يحكونه. بالنسبة للصوت، هناك فقط ما يجب وحيث ما يجب، لا أقل ولا أكثر. وحركة الممثلين الأساسيين هادئة ومضبوطة وبدون مبالغة. الديكور متناغم، تم تصوره بعناية وينسجم تماما مع الأكسيسوارات، دون السقوط في الابتدال. الملابس مصنوعة بعناية لإبراز الحلم من غير السقوط في الفولكلوري أو السياحي. فالملابس تنسجم تماما مع الديكور كما لو أنهما يشكلان كلا متناغما. أما المونتاج فهو بسيط بل يمكن القول إنه محايد. فهو لا يتدخل ليفرض قراءة معينة. إنك تحس بأنك مرتاح وأنت تشاهد هذا الفيلم، وبأنك غير موجه بل تحس أنك حر. فلا أحد يجبرك على القراءة في هذا النحو أو ذاك .

فيلم «أفراح صغيرة» فيلم مغربي يحكي مشاهد من داخل المغرب وسط أجواء هادئة مألوفة لديك وتداعبك. إنه فيلم «عاطفة « بالمعنى الدقيق للكلمة. فهو ليس لا «فيلم حركة» ولا «فيلم تفكير « . وقد كان هذا اختيار المخرج مند البداية، وقد تحمل اختياره بشجاعة . وهو أيضا فيلم يركب المخاطرة، مخاطرة أن يكون بسيطا وبدون أوهام، مخاطرة عدم تأسيس حكيه على لغز مصطنع أو على ممثلين مشهورين قد يتسببون في تتفيهه في أية لحظة . و«الهفوات» البسيطة لا تنقص شيئا من جماليته، بل على العكس تجعله أكثر روعة. ولأن هذا الفيلم لا يدعي أنه ضخم وقوي، فإنه أصبح متاحا لي بسهولة. وهذا ما يجعل منه فيلما هشا، فيلما طفوليا.. فيلما مؤثرا بصدقه وقوي بهشاشته ومستفز بتكتمه .

وبالرغم من مظهره البسيط، فإنه فيلم صعب الإنجاح. ذلك أن خيطا رفيعا فقط يفصل هذا الفيلم عن الابتذال، وعن الصورة النمطية، وعن تصنيفه كفيلم من الدرجة الدنيا، لكنه لا يسقط فيها. بالنسبة لي، هذا الفيلم يؤسس لشيء ما. وعدم رؤية ما حاول الشريف الطريبق التعبير عنه في هذا الفيلم يعني بكل بساطة إخفاء الوجه وإظهار عدم الكفاءة والاستيلاب القاتل للغرب الذي لا يريد أن يرى فينا سوى ذلك الغرائبي، الجاهل والبئيس. لقد خرجت من هذا الفيلم وأنا فخور بكوني مغربيا وفخور بالانتماء لبلد وثقافة عريقة، راغب في معانقة الحياة وامتلاك اللحظة الراهنة، متأسفا لكون الفيلم لم يدم وقتا أطول. عدت إلى الفندق وأنا أفكر بمسحة حزن طفولي بأنني تركت ورائي هؤلاء النسوة المليئات بالحياة وجزء مني في مكان ما في «منزل العجائب» هذا حيث تمنيت لو بقيت فيه لمدة أطول. فلا يمكن أن تغادر بسهولة وبدون أسف حريما رائعا حيث كنت مغمورا بحنان مثل طفل تحكي له حكاية رائعة قبل النوم.

الفيلم إما أن يوجد أو لا يوجد. بالنسبة لي هذا الفيلم موجود لأنه جزء صغير من الحياة سيتم احترامه حيثما يذهب. ولهذا السبب أحبه هكذا دون شروط. وهذا يحدث أحيانا.

الاتحاد الاشتراكي - 3/18/2016

 
"سبوتلايت": عوالم سفلية في قمة البرج

سليمان الحقيوي

 

منذ عرضه الأول في "مهرجان البندقية"، لقي فيلم "سبوت لايت"، تثميناً من قبل النقّاد الذين اعتبروه من أفضل وأجرأ الأفلام التي تدين انتهاكات بعض من يعملون في الكنيسة، إلى جانب قدرته الكبيرة على التعبير عن هذه القصّة سينمائياً.

ورغم عدم إثارته ضجّة إعلامية كبيرة، كالتي أثارها فيلم "العائد" مثلاً، إلا أن الفيلم كان قد رُشّح لستّ جوائز في أوسكار، حصل منها على اثنتين عن أفضل صورة وأفضل سيناريو أصلي، ليعيد بذلك الاعتبار إلى صحافة التحقيق.

"سبوت لايت" هو اسم فريق صحافي يعمل ضمن صحيفة "بوسطن غلوب"، وعدد الصحافيين فيه أربعة: مساعد مدير التحرير روبي روبنسون (أداء مايكل كيتون)، وساشا فايفر (راشيل ماكآدمز)، ومات كارول (برايان دارسي)، والصحافي مايكل ريزيندس (مارك روفالو).

الفريق كان يعمل بشكل مستقل ويحقّق في قضايا شائكة قد تبلغ مدّة عمله عليها شهوراً أو سنوات. بشكل سريع وعن طريق أول مشاهد الفيلم، نتعرّف على نوعية القصص المقترحة علينا، فداخل مخفر شرطة يعمل الجميع تقريباً - بما في ذلك الشرطة ونائب المدّعي العام - على إخفاء معالم جريمة تحرّش قس بطفل صغير وإبعاده عن المحاكمة والتحقيقات الصحافية.

لأمر كان يسير على هذا النحو في المرّات الكثيرة التي تحصل فيها قضايا تحرّش تكون الكنيسة طرفاً فيهاً، لكن قبل أن يقرّر فريق "سبوت لايت" العمل على هذه القضية.

"نجاح الفيلم يعيد التذكير بقيمة السينما المستقلّة" 

الصحيفة استقبلت مدير تحرير جديداً هو مارتي بارون (أداء ييف شرايبر). يُظهر الرجل منذ البداية حماساً كبيراً من أجل العمل برؤية جديدة، تجعل الصحيفة في الصدارة. وفي اجتماعه الأول مع زملائه الجدد، يفاجئ الجميع باقتراح العمل على قضية التحرّش تلك، والتي كانت تغلق في كل مرّة. وعندما فرضت القصّة نفسها على الجميع، انطلق الفريق في عمله. مارتي بدأ بطلب الطعن في حجب القضية والإفراج عن الوثائق المتعلّقة بها وهو ما اعتبر مقاضاة للكنيسة الكاثوليكية ومواجهة مباشرة مع الكاردينال، كما جاء في أحد الحوارات.

كانت الكنيسة تحمي نفسها من داخل النظام القضائي، بحيث يصبح أمر متابعتها مستحيلاً، فالقضايا تُحجب بعد ثلاث سنوات، وهي تستغرق وقتاً أكثر من ذلك للتقديم، إضافة إلى عدم رغبة الضحايا في الظهور إعلامياً. وصعوبة الوصول إلى الوثائق التي تدين المتحرّشين.

رغم كل ذلك، حفر "سبوت لايت" في هذه القضية وأعادها إلى الواجهة من جديد وأنجز تقريره عن الموضوع. وبعد نشره مباشرةً، وصلت مئات الاتصالات إلى مكاتبهم تقدّم شهادات عن قضايا تحرّش ضد الكنيسة. ومع مطلع سنة 2002، كان عدد القصص التي نشرتها الصحيفة 600 قصة.

إلى جانب "سبوت لايت"، هناك أفلام أخرى اتّخذت مهنة الصحافة موضوعاً لها، لكنها تناولت قصصاً عن محقّقين أفراد وعلاقتهم بالمهنة؛ ولم تنقل إلينا فريق تحقيق مثل "سبوت لايت"، ولا قصّة مثل قصّته. الفرق أيضاً أن باقي الأفلام كانت تقدّم ما يحيط بالمهنة وقدرتها على التغيير.

وهذا جانب مهم؛ يمكن هنا ذكر فيلم "اقتل الرسول" (2014) لـ مايكل كويستا، عن الصحافي غاري ويب الذي أنجز تحقيقاً عن ضلوع المخابرات الأميركية في توزيع أطنان من الكوكايين داخل الأراضي الأميركية، خصوصاً استهدافها لمناطق عيش السكان السود، وكانت تموّل بمداخيلها جيش المتمرّدين في نيكاراغوا. قبل هذا الفيلم، هناك أفلام مثل "كل رجال الرئيس" (1976) لـ آلان جي باكولا، والذي تناول علاقة الصحافة بقضية "ووترغيت" في عهد الرئيس نيكسون، أو "ذي إنسايدر" (1999) لـ مايكل مان، أو الفيلم الدنماركي "المثالي".

"سيناريو توثيقي يُظهر تلاعبات النظام القضائي وتستره"

كلّها كانت أفلاماً مهمّة عن مهنة الصحافة، وبعيداً عن أية مقارنات فنية بينها وبين "سبوت لايت"، فكلّها قاربت تجارب فردية لصحافيين أو مصادرهم، بينما في "سبوت لايت" يقدّم توم مكارثي فيلماً عن فريق يعمل مثل خلية، وعن قدرة صحافة الاستقصاء على إسقاط أبراج الفساد.

ربما تكون جائزة أفضل فيلم التي حصدها في جوائز الأوسكار الأخيرة أهم تتويج له. لكن فوزه أيضاً بجائزة السيناريو، الذي كتبه المخرج بالتعاون مع السيناريست جوش سينجر، هو تتويج يحتاج إلى وقفة؛ إذ عمل ماكارثي مع طاقم مميّز من الممثّلين بداية بـ روفالو الذي تماهى مع مهنة الصحافي المشاكس المستعد للانتظار ساعات طويلة خلف أبواب المكاتب للحصول على خبر.

يظهر في أحد المشاهد وقد نسي الأكل، أو حتى الشعور بأبنائه وزوجته في البيت، وكذلك قدّم شرايبر، في دور المحرّر الجديد مارتي بارون، أداء أنيقاً، خصوصاً في طريقة احتوائه للخلافات، أو دفع الفريق للتحقيق في قضية التحرّش.

وإضافة إلى جائزتي الأوسكار، فاز الفيلم بأزيد من مئة جائزة في مناسبات مختلفة. وقيمة الفيلم تعيد التذكير بقدرة السينما المستقلّة، والتي إن عملت تحت هذه الصفة تستطيع اقتناص قصصها، بعيداً عن الإطار المتحَكَّم فيه. ولولا ذلك لما شاهدنا عملاً بهذه الجودة. هذه الرسالة ظهرت في خطابات المخرج الكثيرة وفي مختلف حواراته عن الفيلم؛ حيث اعتبر نجاح "سبوت لايت" يجعل الناس على معرفةٍ بما حصل وما سيحصل، ويصبح باستطاعتهم تجنّب هذه الانتهاكات.

_____________
إضاءة زوايا مظلمة

لم يكن صعباً على فيلم "سبوت لايت" (بقعة ضوء) بلوغ تصوير مثالي للقصة من خلال استحضار تفاصيلها بشكل فني دقيق، لأنه جاء بعد عشر سنوات على تلك الأحداث المعروفة والمؤلمة وقد خفت الضجيج من حولها وربما حساسية الاقتراب منها. استطاع المخرج أن يعمل وراء الخطوط الحمراء، وأن يسلّط الضوء على زوايا معتمة كانت السينما تتجنبها، ولا سيما أن السيناريو اعتمد على وثائق حقيقية نشرتها الصحيفة عام 2001

 العربي الجديد

الاثنين 31 - - 2016

https://www.alaraby.co.uk.

 

 
هشام أمال: "يترتب على إكراهات الإنتاج حرية أكبر على الصعيد الفني"

أجرى الحوار : سعيد المزواري

يندر في مشهد السينما المغربية أن يخرج علينا، هكذا من العدم، مخرج شاب بفيلمه الطويل الأول مثلما فعل هشام أمال مع «ميلوديا المورفين». حيث تتدرج غالبية المخرجين المغاربة الساحقة في سلك الأفلام القصيرة و/أو التلفزيونية قبل اجتياز امتحان الفيلم السينمائي الطويل. هذا معطى تغذيه اعتبارات ذات طبيعة مؤسساتية وقانونية حان الوقت لإعادة النظر فيها، من أجل فسح كوة أمل للسيناريوهات الاستثنائية، حتى ترى النور في معزل عن المسار «الرسمي» الذي يقتضي إخراج ثلاثة أفلام قصيرة، والمرور عبر شركة إنتاج. فثمة قطعا عشرات من المخرجين الشباب الموهوبين تجهض أحلامهم كل سنة حين لا يجدون المواكبة والاهتمام الضروريين، ونأتي بعدها لنتساءل حول أسباب شح الدماء الجديدة وندرة المواهب الشابة

«ميلوديا المورفين» هو قبل كل شيء مشروع حمله هشام أمال طويلا في أحشائه، وشهد مخاضا عسيرا سنأتي على تفاصيله في الحوار، لكن أهم مميزاته هي أنه يحمل في جيناته التيمات نفسها التي يثيرها السيناريو، حيث يتتبع أزمة سعيد الطاير، ملحن موسيقي يجد صعوبة في إخراج «لحن العمر» إلى الوجود في تقعير لمحنة هشام أمال نفسه مع الفيلم، وهذه سمة تجد كذلك تجسيدها بطريقة مذهلة في التطابق بين حياة هشام بهلول ـ الذي لعب دور سعيد الطايرـ وأحداث الفيلم، خصوصا منها حادثة السير وكل الذهاب والإياب بين الحياة والسينما

يعتمد الفيلم على جمالية الحكي بواسطة الصوت الداخلي ليرصد توالي ميلوديا النجاحات والإخفاقات في حياة الشخصية الرئيسية، مما يتيح له تحقيق مسافة مع الواقع استغلها المخرج بذكاء من أجل خلق أجواء تمزج بين التراجيديا والسخرية تمكنه من القبض على مأساة بطله المضاد الوجودية. وباستثناء الاتكاء المفرط أحيانا على «عكازة» الصوت الداخلي في مشاهد لا تحتاج له البتة، والتأرجح المزعج شيئا ما في لغة الحوارات بين اللغة المعيارية والدارجة، فقد أفصح الفيلم على تحكم جيد ونفس حكائي يبشر بمخرج ذي رؤية فريدة وواعدة مكنته من فوز مستحق بجائزة أفضل عمل أول في إطار الدورة السابعة عشرة للمهرجان الوطني للفيلم. التقينا هشام أمال بطنجة على هامش المهرجان وكان هذا الحوار


- أخبرني في البدء عن مسارك قبل "ميلوديا المورفين"

-                      مساري قبل «ميلوديا المورفين» لم يكن طويلا، كل شيء ابتدأ بكتابة السيناريو، حيث اشتغلت مع شركة «عليان للإنتاج» كسيناريست، وابتداء من 2010 بدأت في العمل على «ميلوديا المورفين» الذي شكل أول تجربة لي في الإخراج والإنتاج.
ـ ماهي نوعية الأفلام التي اشتغلت عليها مع «عليان للإنتاج» ؟

-                     بحكم أني أقطن بأكادير، اشتغلت على ثلاثة أفلام في إطار «فيلم انديستري» (ت.م.: تجربة إنتاج أفلام تلفزيونية تمركزت في أكادير وأشرفت على تنفيذها شركة نبيل عيوش بشراكة مع القناة الأولى ابتداء من 2005 وخرج من رحمها مخرجون شباب ينشطون اليوم في مجال السينما والتلفزيون). كنت محظوظا حين حظيت بفرصة كهاته رغم كوني مبتدئا ومتسرعا شيئا ما لأنني اقتحمت الميدان متشبعا بالسينفيليا والولع بالكتابة، من دون خلفية تكوينية وخبرة كافيتين، لكن من جهة ثانية استفدت كثيرا من الإدارة التقنية والفنية تحت إشراف هشام العسري. كتبت بعدها دائما لنفس الشركة سيناريو فيلم تلفزيوني بعنوان «لعب البارود» من إخراج محمد نصرات، ثم وجهت كل وقتي وجهدي ل»ميلوديا المورفين». 

- أول ما أثار انتباهي في الفيلم هو اللحظة التي يحصل فيها تطابق مذهل بين التخييل والواقع حيث تصبح حادثة السير (ت.م.: تعرض بطل الفيلم هشام بهلول لحادثة سير مؤسفة كادت تودي بحياته وهو لم ينه بعد تصوير دور سعيد الطاير الذي يتعرض لحادثة سير في الفيلم) بمثابة بوابة سحرية تنقلنا بين العالمين وتقول أشياء مهمة عن روح وطبيعة الفيلم...
- بالفعل الأمر غريب ومثير للاهتمام فنيا. شكلت بالطبع حادثة السير تجربة مريرة للطاقم كله من الناحية الإنسانية وكان تجاوزها صعب جدا بالنسبة لنا. وهذا من بين الأسباب التي أدت إلى تأخر إنتاج الفيلم

-  كم كانت نسبة التقدم في إنجاز الفيلم حين وقعت الحادثة؟

-   لقد دام تصوير الفيلم خمس سنوات تقريبا. ابتدأنا التصوير في 2010 ثم كنا مجبرين على التوقف، ولم نتمكن من تصوير القسم الثاني من السيناريو إلا في 2012 بحكم المشاكل التي اعترت الإنتاج. اعتمدت على مواردي الخاصة كليا، وكنت كلما استطعت توفير المال الكافي أعود إلى التصوير. وهذا ما فعلته حين تمكنت من تمويل يوم تصوير إضافي في 2013. بعد ذلك مباشرة تعرض هشام للحادثة، ولم نكن بعد قد انتهينا من تسجيل الصوت الداخلي الذي يلعب دورا مهما في الفيلم، فكنت مجبرا على الاشتغال مع ممثلين آخرين إلى أن حصلت على الصوت الذي كنت أبتغيه. تطلب الأمر مني وقتا كبيرا إلى أن انتهيت من النسخة الأولى من الفيلم، ونظمت عرضا تجريبيا في الرباط في أكتوبر الماضي. كانت الردود ايجابية وشجعتني معظمها على المضي في تصوير الجزء الأخير من الفيلم الذي كانت مدته تتعدى آنذاك الساعة بدقائق قليلة، حتى يصبح فيلما طويلا، ويتمكن من المشاركة في مهرجانات كثيرة بما فيها مهرجان الفيلم الوطني بطنجة. فصورت الجزء الأخير في نهاية 2015. أصبحت مدة الفيلم في نسخته النهائية التي عرضت بطنجة تبلغ ثمانين دقيقة. بالعودة إلى المصادفات التي طبعت إنجاز الفيلم، فإن ما لا يعلمه سوى القليلون، هو أن التطابق بين الواقع والتخييل تجاوز حادثة السير إلى تفاصيل أخرى، منها أن هشام كان مثل بطل الفيلم يعاني آنذاك من مشاكل في الذاكرة. فنيا كان هذا التطابق مؤثرا جدا علي، لأنني أصبحت أنظر إلى الحادثة وكل تجلياتها بشكل أعمق من ذي قبل، وانتفت كل مسافة تفصلني عنها. أضحيت أيضا أتعامل مع مونتاج المشاهد المتعلقة بها بنوع من الاحترام والمراعاة لنظرة الممثل. وهذا ما أثر على جمالية مشهد الحادثة التي حضرت بشكل متشظ وكأنها جزء من حلم. من المصادفات أيضا أنني واجهت الصعوبات نفسها التي يلقاها سعيد الطاير من أجل إخراج «ميلوديا المورفين» إلى الوجود، إلى درجة أني كنت أتوجس من أن لا أتمكن أبدا بدوري من إنهاء الاشتغال على الفيلم

-  يمكننا أن نقول أن الأمر كان أشبه بتقعير («ميز اون ابيم») لطبيعة العمل وسيرورة إنجازه...

 -  نعم، كان الأمر كذلك. حتى أنني عانيت في فترة معينة من مشكل إلهام مثل البطل بالضبط. كانت كتابة المشروع معقدة جدا مما دفعني إلى معاهدة نفسي أن لا أحلق ذقني حتى أنتهي من الكتابة. أصبحت لحيتي مع مرور الأيام طويلة تشبه لحية ماركس (ضحك)، إلى درجة أن المارة أضحوا يتحاشون طريقي في الشارع. طبعا تبقى أفضل طريقة للاشتغال على السيناريو هي الانطلاق من الهواجس والصعوبات نفسها التي تواجهنا في الحياة.

-  كيف تغيرت نظرة هشام بهلول للعمل بعد الحادثة؟ هل واجهت صعوبة في إقناعه بالعمل مجددا؟

-  لا لم أجد صعوبة من هذا النوع، بل لاحظت أنه أصبح ينظر للمشروع باحترام أكبر، ربما لأنه أحس بأن قصة الفيلم قريبة من تجربته. لا شيء يعادل أن يمر الممثل أو الفنان بصفة عامة من تجربة مشابهة لتجربة الشخصية في عمل ما. هذا يجعل من فهمه لنفسية الشخصية أعظم بكثير. كمثال على هذا نجد حالة دافيد سايدلر كاتب سيناريو «خطاب ملك» الذي يحكي محنة الملك مع الارتباك والتأتأة. الفيلم مكتوب بعمق وتفصيل كبيرين ومردهما إلى أن السيناريست كان يعاني من المشكل نفسه في مرحلة الطفولة

-  تشكل الموسيقى واحدا من الأعمدة الرئيسية التي يرتكز عليها الفيلم. ما علاقتك بها في حياتك الخاصة؟

-  كنت مثل معظم الناس معجب بالموسيقى وأنصت إليها بانتظام. لكن في مرحلة من عمري صرت أتعامل معها بجدية أكبر أو تطرف لا أعرف. كنت منفتحا على جميع الأصناف وصرت بعد البدء في الكتابة أميل أكثر إلى الموسيقى التي تجسد بشكل أعمق حمولة الشرط الإنساني، وتنبني على فكر وكتابات الشعراء التي تنفخ في المقطوعات روحا ذات طابع خاص على غرار النصوص التي كان يؤديها وديع الصافي وأم كلثوم، أو في المغرب مقطوعات من قبيل «راحلة» و»القمر الأحمر» وأغاني ناس الغيوان. أعتقد أن الفن في المغرب سقط في خطأ فادح حين أدار ظهره للموجة الموسيقية التي انبثقت في السبعينات. أن تنصت لأغاني محمد الحياني وعبد الهادي بلخياط يعتبر في حد ذاته دخولا في تجربة ذات حمولة غنية على المستوى الإنساني. للأسف فإن الاستخفاف بالكلمات غدا عملة رائجة اليوم، وصار كل الاهتمام ينصب على النواحي التقنية، وهذا نفسه خطاب شخصية عبد الله بن سعيد في الفيلم حين يتحدث عن كيف أن الموسيقى اليوم صارت إنتاجا شبه آلي تتحكم فيه الحواسيب. دفعتني تجربة كتابة «ميلوديا المورفين» إلى دخول بحر جديد يتعلق بالموسيقى الكلاسيكية. ليس فقط من ناحية الإنصات بل أيضا تاريخها والاتجاهات الفكرية والأساطير المرتبطة بها. استمعت لما يقرب من ألفي مقطع موسيقي كلاسيكي بين 2010 و2015 كي أختار منها المقاطع الحاضرة في الفيلم

-  أليس هناك مشاكل تتعلق بحقوق الملكية الفكرية للموسيقى وكذلك لمقاطع الأفلام التي تظهر في «ميلوديا المورفين»؟

-  بالنسبة لمقاطع الأفلام، اعتمدت على أعمال أصبحت حقوق ملكيتها في ملك العموم وأخرى لم تسقط بعد في هذا المجال لكن تجديد حقوق ملكيتها باء بالفشل. أيضا، اعتمدت كثيرا فيما يتعلق بالصور على أعمال جديدة، لكنها تدخل في إطار مقتنيات قامت بها مؤسسات وضعتها بشكل تطوعي رهن استعمال العموم على غرار مكتبة الكونغرس الأمريكي وأرشيف هولندا. أن تقتني مؤسسة ما وثائق وتتيح استعمالها بالمجان للعامة هو أمر عظيم. هذا يفتح النقاش مرة أخرى حول مسألة الملكية الفكرية في الفن ومدى خدمتها للإبداع بصفة عامة.

-  لدى غودار تصور متطرف لكنه يعبر كالعادة على قسم كبير من الحقيقة في هذا المجال حين يقول «ليس لدى الفنانين حقوق بل واجبات فقط». بالعودة إلى حالة «ميلوديا المورفين» هل بوسعنا القول أن لا مشاكل تواجه الفيلم من ناحية حقوق الملكية؟

-  لا، ليست هناك مشاكل على العموم. لكن حتى أكون صريحا معك فهناك قطعتين موسيقيتين استعملناهما في الجزء الأخير، من الممكن أن يشكلا مشكلا على مستوى تأخر سيرورة الحصول على موافقة الجهات المالكة للحقوق. هذا يتطلب شهرين عادة. سننتظر ردودهم ونتمنى أن تكون إيجابية وفي المتناول، مع العلم أن مقاطع موسيقية عديدة اخترناها مبدئيا كي تكون جزءا من الفيلم لم نتمكن من الحصول على حقوقها. أحيانا تكون الردود غير متحمسة، من جانب الأمريكيين على الخصوص، من أجل منح الحقوق لأعمال من خارج الولايات المتحدة لأنهم يطالبون بمقابل مادي مرتفع. هناك أيضا مقاطع من الموسيقى الكلاسيكية لم تسقط في المجال العام كنا مضطرين لاقتناء حقوقها. والأمر نفسه بالنسبة لبعض المقاطع من الأفلام ومن بينها أفلام شابلن. لكن أصدقك القول أن الأمر محبط جدا حين تكون هناك قيود مفرطة على استعمال الموسيقى في الأفلام، فأنا مثلا من المعجبين بموسيقى البيتلز وغالبا ما تصدح موسيقاهم في رأسي أثناء الكتابة، ولكن من شبه المستحيل أن أستعمل موسيقاهم لأن الجهات المالكة جد متشددة في منح الحقوق، وهذا أمر محبط في النهاية، خصوصا أن من يتعنتون هم ليسوا في الأصل مبدعي الموسيقى بل جهات اشترت حق الاستغلال وتتعامل معه كأصل تجاري صرف

-  هلا حدثتني عن السيناريو وكيف تطور بالموازاة مع مراحل إنجاز الفيلم وخصوصا الشق المتعلق بالصوت الداخلي... هل حضر بهذه الأهمية في ذهنك منذ البداية؟

- n انطلقت في ما يتعلق بالصوت الداخلي من فكرة التعبير عن نوع من انفصام الشخصية. بمعنى أن الأمر يتعلق بسعيد الطاير يتحدث لمصطفى البقال، وهذا الصوت يترجم العلاقة الملتبسة بينهما. لقد كانت فكرة الصوت الداخلي حاضرة منذ بداية المشروع. أنا أعتبر نفسي سينمائيا وشغوفا بالسينما، لكني قبل هذا وفي الأساس كاتب، وأحب أن أضفي على عملي أشياء تمتح من عالم الكتابة والرواية لكن بطريقة سينمائية. كانت هناك بالطبع تغييرات على مستوى الكتابة منذ بداية الاشتغال إلى النهاية. بوسعنا القول أنني اشتغلت على ثلاثة أفلام: الفيلم الأول المكتوب بالسيناريو، والفيلم الثاني الذي تم تصويره والمختلف عن الأول بسبب تعقيدات الإنتاج وشح الإمكانات. هناك شخصيات كثيرة كتبت لم تجد طريقها لبلاطو التصوير، وهناك أخرى صورت ولم تجتز اختبار المونتاج، وهذا ما أعطى فيلما ثالثا

كتابة السيناريو تمثل مرحلة سهلة نوعا ما، حيث يكون كل شيء متاحا وباب الحلم مفتوحا على عواهنه، والتصوير هو تجربة اللقاء مع الواقع بحلوه ومره، أما مرحلة المونتاج فهي اكتشافي الأبرز والأهم في فيلمي الأول هذا، فبحكم تجربتي المسبقة ككاتب، وبحكم مشاكل التصوير التي علمتني الكثير لكنها حرمتني من المتعة لأنها أجبرتني على تدبير الأزمات طول الوقت، يبقى المونتاج المرحلة الأكثر غنى بالنسبة لي، حيث تعلمت بفضله أشياء عديدة، أخذت مرحلة المونتاج أيضا نصيب الأسد من الوقت

-  ما التأثيرات التي تركت بصمتها الجمالية على الفيلم؟ لمست شخصيا تأثرا ب «إميلي بولان» لجان بيير جونيه من حيث حضور الصوت الداخلي وكذلك الجو الداكن نسبيا الذي يطغى على ألوان الفيلم...

-  نعم هذا ممكن. لا أخفيك أن «أميلي بولان» (2001) من بين الأفلام المفضلة لدي. كما تعلم فإن السيناريست والمخرج قد يتأثر بأفلام كثيرة من دون أن يكون واعيا بها. لكن، على العموم، يمكن أن أقول أنني أنجذب كثيرا لعوالم كتاب السيناريو: تشارلي كوفمان وبيتر شافر كاتب «أماديوس» لميلوش فورمان. لكن العمل الذي شكل تأثيرا مباشرا وذي أهمية أكبر علي هو «شعب المكانة» (2009) لهشام العسري. هذا فيلم رائع بكل المقاييس، ولعل التأثير الأبرز الذي تركه في عملي هو اقتناعي بضرورة الجمع بين فكرتين منفصلتين كانتا في ذهني داخل سيناريو واحد، الفكرة الأولى تتعلق بفيلم قصير عن شخص يعيش في غرفة واحدة مع والده المصاب بالسرطان، والثانية سيناريو عن موسيقي يحاول إنجاز قطعة فنية خارقة للعادة

o الجمع بين فكرتين مختلفتين داخل سيناريو واحد هي من بين مبادئ الاشتغال الرئيسية عند تشارلي كوفمان أيضا. كما أن هناك رابط آخر لطريقة اشتغاله مع «ميلوديا المورفين» يتجلى في نزعته إلى بناء سيناريوهاته على التعقيدات والمفارقات نفسها التي تواجهه أثناء الكتابة، وهذا ما يظهر بشكل متجل أكثر في «اقتباس» (2002)، الفيلم الثاني الذي كتبه للمخرج سبايك جونز...

n فعلا، فيمكن أن نرى نقط تأثر كثيرة ب»اقتباس» في «ميلوديا المورفين» خصوصا منها فكرة أن شكل العمل يجسد تمثلا للمحتوى، وهذا ما عبر عنه كوفمان بالأفعى التي تأكل نفسها. لقد أسعدتني كثيرا مشاهدة فيلمه ما قبل الأخير «سينيكدكي نيويورك» (2008) لأنني شاهدته بعد انتهائي من الكتابة، فوجدت فيه تفاصيل تحضر في نصي إلى درجة التقارب، ومنها أزمة الخلق لدى الشخصية الرئيسية وتعاطيها لأدوية مهدئة.

-  هناك أيضا ظروف وفاة الممثل فيليب سيمور هوفمان المأساوية (ت.م: الممثل الكبير أدى دور بطل « سينيكدكي نيويورك» الذي يجتاز فترة إحباط) التي تتغذى كما لديك من السيناريو التخييلي ولو بأثر رجعي قليلا...

-  بالفعل. وبالعودة إلى التأثيرات يمكن أن أذكر أيضا شريط فوزي بنسعيدي القصير «الحافة»، خصوصا طريقة الحكي في علاقتها بالمونتاج. وهناك أفلام عديدة أخرى تجد طريقها للتأثير بالفيلم بشكل غير واع بالطبع والمتتبعون هم من يذكرونك بها.

-هل اتبع برنامج التصوير كرونولوجيا القصة؟

-  لا، كان ترتيب التصوير بالأحرى رهينا بالديكور. بالحديث عن الديكور من ناحية الاختيارات الفنية، فإن الإضاءة شكلت مشكلا كبيرا بالنسبة لي ولكريستوف لاري مدير التصوير، نظرا لتعدد الألوان والشخصيات والأماكن، إلى درجة أننا استعنا بجدول نرمز فيه لكل مرحلة في علاقتها بشخصية بلون محدد، حتى نستطيع إعادة تشكيل كرونولوجيا القصة في البلاطو. خصوصا أننا قمنا باختيارات راديكالية نوعا ما، فمثلا في الغرفة المنعزلة اشتغلنا كثيرا على الظلال والجو القاتم، وحين ننتقل إلى الفيلا نصبح وسط جو مشمس. في المشهد مع بن سعيد داخل الفيلا، حاولنا صياغة إضاءة أقرب إلى عالم الأحلام، كنا نحاول كل مرة المضي في اختيار فني جريء من هذا القبيل لأن الفيلم يشكل فانتازيا تتموقع في العالم الحاضر، وهذا ما اعتبرته يسمح لنا بتجريب أشياء كثيرة ومن بينها ألوان الصورة.

-  وما هي الجزئية التي شكلت لك صعوبة ،خاصة، كمبتدئ في مسار إنجاز الفيلم؟

-  في الحقيقة المهمة الأصعب كانت هي الإنتاج، كتبت الفيلم في البداية كشريط قصير بشخصيات ومواقف كثيرة، وكنت أدرك جيدا أنه من شبه المستحيل أن أجد له منتجا، لأن المنتجين في المغرب، لا ينظرون في أغلب الأحيان إلى الفيلم القصير إلا كطريق للمرور إلى الفيلم الطويل بالنسبة للمخرج، وكوسيلة للحصول على البطاقة والتراخيص الضرورية، مما يجعلهم يسلكون مقاربات مقتصدة في تمويل الأفلام القصيرة، سلمت منذ البداية بأنني لن أجد منتجا لفيلمي، وقررت أن أنطلق في تمويله بإمكاناتي الخاصة، أن تكون إمكاناتك قليلة يجعل من الصعب عليك على الخصوص أن تطلب من المشتغلين إلى جانبك أن يبقوا معك وقتا طويلا، ما آلمني أكثر هو أن شح الإمكانات منعني من القيام بالأشياء كما كنت أتمناها على المستوى الفني، لكن في نفس الوقت سمح لي التأخر في إنتاج الفيلم بإمكانية الكتابة وإعادة الكتابة بصفة مستمرة، يأتي كل مرة عائق ما، أستقبله بإحباط فيترتب عنه معطى جديد يخلق جو اشتغال أفضل من لو أن الأمور استمرت من دون عوائق، أي أن العوائق تمثل في الغالب إكراها ينتج عنه تحرر أكبر على الصعيد الفني

- ما خطوتك المقبلة ؟ 

-  مشروعان أعتبر أنهما وصلا إلى مرحلة النضج الكافية حتى أمر إلى الإنجاز، الأول هو شريط قصير والمنتج الآن بصدد البحث عن التمويل. والمشروع الثاني الأقرب إلى التنفيذ هو مسرحية بعنوان «قطار العربي بوغابة»، وأنا حاليا أقوم بإعادة كتابة نصها، وأتمنى أن أخرجها إلى الوجود في خضم السنة الجارية.

 

جريدة الاتحاد الاشتراكي 19/03/2016

 
<< البداية < السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالي > النهاية >>

الصفحة 9 من 54
تقييمكم للدورة الأخيرة لمهرجان فيلم الهواة
 
تنظم جمعية الفن السابع بسطات بشراكة مع
المزيـــد »
FNF19 : 15 longs métrages en lice pour la compétition En vertu du
المزيـــد »
نزولا عند طلب بعض أعضاء مجلس المنخرطين
المزيـــد »
قدمت جمعية الفن السابع بسطات يوم الخميس
المزيـــد »
في إطار الاستعداد للدورة الحادية عشرة م
المزيـــد »
مهرجان وجدة الوطني لفيلم الهواة يكشف عن
المزيـــد »


  2013 - 1990 جمعية الفن السابع - جميع الحقوق محفوظة Designed By Meduse Innovation