Spot de la 11ème édition du Festival FNFAS

FNFAS 11 - reportage - ملخص الدورة 11

افتتاح المهرجان الوطني لفيلم الهواة في نسخته 11 بسطات

فاتن هلال بك  خلال مهرجان سطات لفيلم الهواة

الدورة 3 لمهرجان وجدة الوطني لفيلم الهواة

Le tempo oublié - الإيقاع المنسي

وثيقة لإدريس المرني حول العربي بنمبارك سنة 1985

لقاء تأطيري حول الأندية السينمائية المدرسية

ميلاد الفيدرالية المغربية لسينما الهواة على إذاعة طنجة

Création de la Fédération FMCAM

Films "Panorama et Compétition" du FNFAS 10

Résumé 10ème Edition en 14 mn

Spot de la 10ème édition du FNFAS

المطربة نادية أيوب خلال المهرجان الوطني لفيلم الهواة بسطات

Le Festival (FNFAS 10) les 2 premiers jours

diaporama de la 10ème édition du Festival - FNFAS

كلمة نور الدين الصايل في افتتاح الدورة 4 (2010) لمهرجان سطات

  تكريم حسن إغلان خلال الدورة 3 للمهرجان الوطني لفيلم الهواة بسطات سنة 2009

Reportage FITUC 2016

 من فنون الفرجة على أمواج إذاعة طنجة : الفضاء في السينما

6 أشرطة تلفزية لأحمد مدفاعي (قناة الرياضية)

 

الصايل يتحدث عن أهمية التراكم في السينما

Clôture du FNFAS 9 - اختتام الدورة 9 للمهرجان

 

إعلان الدورة 9 للمهرجان - َSpot 9ème Edition

الرجل الهادئ فيديو نكريم محمد ولد دادة

سينما الهواة اليوم بالمغرب على أمواج إذاعة طنجة

Documents vidéo :Truffaut et Nouvelle Vague Française

شكاوى الفلاح الفصيح لشادي عبد السلام

Bande annonce film ayant obtenu le lion d'Or à Venise (2014)

Lien vers "Liner"  1er Prix à Klibia en Tunisie 2014

حاتم عبد الغفورفي دور السلطان العثماني محمد الفاتح

FNFAS 8 vu par Fred Graber

الدورة 8 لمهرجان سطات في برنامج شاشات

Spot de la 8ème Edition du  FNFAS

Vidéo Med Lytim (hommage FNFAS 8)

Kaurismaki vu par des cinéates en 7 mn

L'acteur de western spaghetti Giuliano Gemma est mort

نور الدين الصايل في برنامج ضيف الأحد

 

أرشيف الفيديوهات - Archive des vidéos

 

 

 

 

Pour contacter CineSett

Tel : 06 67 26 01 41 

Fax : 05 23 40 34 30 

Mail : contact@cinesett.com

أخبار و مقالات سينمائية
علاش البحر؟» لحكيم بلعباس، لا حدود بين التخييلي والوثائقي »

مصطفى العلواني

يمكن القول إن المخرج حكيم بلعباس كان انطلاقا من فيلمه «علاش البحر؟» يؤسس لرؤية إخراجية لا تعترف بالحدود بين التخييلي والوثائقي، رؤية تسعى إلى استنطاق الواقع بشكل يجعل الإخراج عملية إبداعية شفافة يلعب فيها المخرج دور القنطرة الفاعلة والإيجابية بشكل يحد من «وصاية» المبدع مما لا يجعل الوقائع والشخصيات تبدو مفعولا بها ومسلوبة الإرادة، بل تصبح فاعلة في العملية الإبداعية إلى جانب المخرج الذي يتولى بطبيعة المسؤولية في رسم هوية الشريط في نهاية المطاف· تدور أحداث «علاش البحر؟» بمدينة الدارالبيضاء، وبالضبط بحي العنق أحد الأحياء الشعبية المحاذية للمحيط الأطلسي· 

يصور الفيلم المعيش اليومي لثلاثة شبان انسدت في وجوههم منافذ العيش الكريم بسبب سيادة نظام الخصاص الذي ينيخ بكلكله على اليابسة البيضاوية وساكنتها· يقول إبراهيم: «اللهم البحر ومواجو ولا البر وخماجو»، وهو أحد الشبان الثلاثة، مخاطبا عاشقته التي حرم على نفسه مبادلتها حبا بحب هو الموقن بأن العشق ترف ليس مهنته· كان البحر الملاذ الوحيد لكسب لقمة عيش حارة بالنسبة لإبراهيم وحسن وسعيد، الذين أجبروا على مصارعة الأمواج العاتية، ولعل من نافلة القول، إن هؤلاء ما هم سوى عينة لمئات، بل وآلاف الشبان من السعيدية إلى لكويرة· حسنا فعل المخرج حين اختار للأدوار الرئيسية الثلاثة شبانا بحارة «ولاد العنق» ليلعبوا في الفيلم أدوارهم الحقيقية في الحياة· كانت الكاميرا ترتعش أمام عفويتهم، وقد فجروا الحوار ببوحهم الصادق النابع من معاناة حقيقية· كانت الكاميرا تبدو، كما لو كانت مندهشة فلم تملك نفسها من الإسراف في أخذ لقطات مكبرة جدا لإبراز تفاصيل مهنة البحارة حين يتقنون الغرزة وغيرها من الأعباء والتفاصيل الدقيقة لمهنة يتعايش أصحابها مع موت محدق متربط بهم بين موجة وموجة، لكنه موت جبان لم يستطع وما ينبغي له أن يثن حسن وإبراهيم وسعيد وغيرهم عن إعادة الإنتاج اليومي لملحمة حب البقاء الذي يتحول إلى حمل ثقيل حين يحيا الإنسان دون أن يعيش·

«علاش البحر؟» فيلم يحتفي بالبحر وظلماته ورجاله، لا تكاد الكاميرا فيه تعود إلى البر إلا لإضاءة مسارات شخصياته من خلال الغوص في معاناة ساكنة مدن سفلى ذات بيوت واطئة تلتف على حياوات تكالب عليها الخصاص والفقدان ليردياها بقايا ناس· كانت الأزقة الضيقة تحاصر الكاميرا العائدة لتوها من الأزرق الفسيح، كانت اللقطات تبدو فيها «أم سعيد» ضئيلة مشدوهة وحيدة وسط بيت خال عنوانا عريضا لعزلة أسر لا يعود ابنها من بحر، قد يجود أو لا يجود، إلا شهيدا أو شريدا· كانت الأحداث تتوالى لتؤكد حدس >أم سعيد< التي استشعرت بحدس الأم شرود ابنها الذي حاق به الجنون بفعل طيف امرأة يتراءى له بين الأمواج وفي الأزقة أنه قدر البحارة الذين تسكنهم وربما تخطفهم الهيشات والجنيات في روايات ألف ليلة وليلة وأيضا في «سيد عبد لله بالحاج» و «سيدي عبد الرحمان» وفي «القمقوم» ··· كانت الممثلة أسماء الخمليشي موفقة في صمت في لعب دور المرأة ـ الطيف التي أخطأت سعيد وكان الضحية إبراهيم· وفي لحظة الذروة التي ابتلع فيها البحر «ابراهيم» وهام فيها سعيد على وجهه رغم صرخات أم مغلوب على أمرها، كانت الرواية وكان التخييل يلفظ أنفاسه الأخيرة رغم إشراقة حسن وشقيقة ابراهيم اللذين رسما من خلال لقطة مكبرة ليديهما، تشتبكان خيط الأمل الوحيد وسط هول الفجيعة، في هذه اللحظة بالذات اختار المخرج أن يجعلنا وجها لوجه مع المعين الذي نهل منه الحزن الذي يسكن الفيلم، وكانت شهادة مصورة «للحاجة فاطنة» الأم المكلومة التي ابتلع البحر زوجها وابنيها ـ في الواقع وليس في الفيلم ـ كانت الكاميرا قد انزوت خاشعة فاسحة المجال لبوح الأم، للشكاوى الفصيحة، لدموع لميمة الباكية ديما· كانت الكاميرا تنطفىء بين الفينة والأخرى لتوشي هذه اللوحة السينمائية الرائعة بفراغات كأنما هي زفرات صاعدة من صدر جريح· كانت الحاجة وهي تحكي جرحها العنيد، شامخة شموخ الخنساء، وهي تنتصر على موت حارة زغبية· ألا قاتل لله المنايا «وخطفها فلذات الأكباد» على عمد·

الاتحاد الاشتراكي 3/28/2016

 
الدرس السينمائي .. بابا ديوب يروي فصولاً من تاريخ السينما السنغالية: الصدق مُعطى أساسي في معادلة الإبداع

سعيد المزواري

يبدو الناقد السينمائي السنغالي بابا ديوب معتمراً قبعة «ستيتسون» التي لا تفارق رأسه كراعي بقر خرج للتو من فيلم لفورد أو هاوكس. نقاط مشتركة عديدة بين الناقد الجيد وأبطال أفلام رعاة البقر. أولاها الجنوح إلى الوحدة الذي يميز شخصية كليهما، ثم دقة الملاحظة وبُعد النظر وسرعة ردّ الفعل. سمات لا يمكن أن تخطئها في بابا ديوب حين تعرفه عن قرب. كيف لا، وقد راكم خبرة طويلة في صحارى السينما الافريقية الشاسعة وواحاتها النادرة، قبل أن يتم انتخابه رئيساً للفيديرالية الافريقية للنقد السينمائي في العام 2008. التقيناه في أحد الصباحات، أثناء انعقاد الدورة الثامنة عشرة من مهرجان السينما الافريقية في خريبكة، فكان هذا الحوار حول المهرجان والسينما السنغالية والنقد السينمائي الإفريقي.

- كيف عشت أجواء المهرجان هذه الدورة؟

-  لقد كان دائما مهمّا ومفيدا حضور مهرجان خريبكة. فقرات المهرجان منظمة بشكل مثير للاهتمام: في وسعك أن تشاهد الأفلام مع الجمهور طوال اليوم، وفي المساء، نقاشات مركزة جداً تذكّرنا بنوادي السينما. ثم هناك فضاء نقاشات أفلام المسابقة كلّ صباح. من دون أن ننسى الندوات الرئيسية التي تتطرق لتيمة محورية كل عام، والورش التي تتوجه للشباب. لسنا في صدد تمجيد المهرجان، لكن ينبغي أن نقول بشكل ذكي إنه يشكل مكاناً حقيقياً لتبادل المعرفة والخبرة وإنه يمكننا أن نرى تطور السينمات الإفريقية ومختلف الاتجاهات الجمالية والتيمات من سنة إلى أخرى.

- التساؤل حول جدوى مهرجان السينما الإفريقية في خريبكة وجدوى المهرجانات الافريقية بصفة عامة كان الخيط الناظم للنقاش الفكري أثناء هذه الدورة. ما هي الخطوط العريضة والدروس التي استنبطتها من هذا النقاش؟

- مجرد أن تطرح إشكالية جدوى مهرجان ما، ينبئ عن رؤية نيّرة وشجاعة. في وقت معين، ينبغي أن يتوقف المرء وأن ينظر إلى نفسه في المرآة ثم ينظر إلى مساره السابق ويعيد تصور المسار المستقبلي في ضوء استنتاجاته. لقد نشأ مهرجان السينما الافريقية انطلاقاً من النوادي السينمائية، ومن ثمّ تطور. وقد عبرت روح نوادي السينما المهرجان تاريخه وتم تشييد كل ما يتعلق بالتبادل والنقاش على أساس هذه الروح. يأتي كل مرة المخرجون إلى خريبكة ويعرضون أفلامهم. ماذا يضيف لهم المهرجان؟ يجب ألا نكتفي بالعبارة المطروقة: «نحن هنا لكي نلتقي ونتبادل». هل يصلح مهرجان السينما لعرض الأفلام فقط؟ هل يساعد في التقدم بالسينما بصفة عامة نحو تحكم أكبر في كل أقسامها وتخصصاتها قد يفضي يوماً ما إلى صناعة حقيقية؟ هذه أسئلة ضرورية وملحّة اليوم.
- هناك همّ «قتل الأب» الذي يعود في أفلام عديدة شاهدناها، ما هي التيمات والتوجهات الجمالية التي طغت في نظرك على المسابقة الرسمية لهذه الدورة؟

- في نظري، من بين كلّ دورات المهرجان التي حضرتها، الدورة الحالية هي الأكثر غنى، ليس على مستوى المسابقة الرسمية بل على مستوى التوجه العام. لقد رأينا أفلام «جانر» تنهل من أبجديات الحركة والرعب وأفلاما أخرى تتبنى التوجه الأميركي من خلال قصص السطو والخطف. رأينا كذلك أفلاماً ترنو إلى الشاعرية في سردها. هناك أفلام أخرى بسيطة في سردها تحاول البناء انطلاقا من النموذج النوليوودي (المحرر: نوليوود تسمية تُطلق على النموذج النيجيري في صناعة الأفلام وتتميز بضعف الموازنة وسرعة التصوير والتوزيع مباشرة على أقراص الفيديو) استناداً الى نموذج من نوع المرأة في مواجهة نظرة المجتمع وتسلطه أو الشباب في علاقتهم مع كبار السن. هناك أيضاً علاقة الحب بين شابين تحت ضغط الفراق على يد العائلة أو المجتمع التي شغلت بال أكثر من مخرج والذاكرة التي تعود لتقض مضجع الحاضر، حيث شكّل التداخل بين الماضي والحاضر عصب رؤية أفلام عديدة أثناء هذه الدورة. سنقول إننا هذه السنة في خريبكة، سبرنا دروب أنواع متعددة: أفلام الحركة، الخيال والفانتازيا، الشاعرية في شقيها البلاستيكي والمتعلق بالسرد. أي أن وعاء الحساسيات الجمالية الإفريقية هو في طور التوسع اليوم ولم نعد نقتصر على الأفلام الاجتماعية ذات المحتوى التنديدي الملتزم كما كان الأمر سابقا.

يُختزل نموذج نوليوود غالباً في شق الاستغلال رغم أن دروساً مهمة يمكن استخلاصها من الشق المتعلق بالانتاج نظراً لملاءمة خصائصها للبنية الاقتصادية السائدة في معظم الدول الافريقية...

هذا يطرح علينا تساؤلاً مهماً: من أجل مَن ننجز الأفلام؟ نتفهم المخرجين حين يقولون إنهم يستمدون وحيهم من «الموجة الفرنسية الجديدة» أو يسعون لإنجاز أفلام مؤلف. هذا أعطى في بعض الأحيان نتائج مهمة، ولكن في أحيان أخرى أنتج سينما منغلقة لا يجد الجمهور نفسه فيها. ما حدث هو أن الجمهور كان متعوداً على نوع معيّن من السينما فجاء المخرجون الأفارقة وأرادوا أن يغيّروا هذه السينما بطريقة جذرية وفجائية، وهذا لم ينجح. كان ينبغي تبنّي التدرج في شيء كهذا. أنا متأكد أننا لو بدأنا بنموذج قريب شيئا ما من النموذج النوليوودي، لأخذت الأمور اتجاهاً أفضل ولربما ذهب جمهور أكثر بكثير إلى القاعات. الأفلام التي نهلت من «الموجة الجديدة» لم تكن تعرض أصلاً في القاعات بل كانت تعرض مباشرة في نوادي السينما أو قاعات الفن والتجريب، والجمهور لم يجد نفسه فيها. كانت هناك حرب غير معلنة بين سينما المؤلف والسينما الشعبية. هوليوود كانت نموذجاً يصب كليا في أفلام الترفيه، ومن المؤكد أنه كان ينبغي لنا أن نتجنب أيضاً الوقوع في هذا النوع من السينما، لأننا كنا ملزمين طرح تساؤلات حول قضايا مجتمعية ملحّة وأن نظهر للعالم أن ثمة ثقافة إفريقية في وسعها أن تنتج أفكارا تغذّي الثقافة الكونية. ما حدث اليوم هو أننا لم نعد نخف من تعبير «سينما شعبية»، لذا نرى أفلاماً تتوجه للجمهور العريض وتنال في الوقت نفسه إعجاب النقاد لأنها صيغت بإخراج جيد. «سينما شعبية» إذاً لا تعني سينما رديئة، و»سينما المؤلف» لا تنتج دائماً جودة عالية.

- المثل الأبرز هنا هو فيلم محمد مفتكر «جوق العميين» (الجائزة الكبرى عثمان صمبين في خريبكة 2015) الذي نال إعجاب فئات عريضة من الجمهور وهو في الوقت نفسه فيلم عميق صيغ وفق سيناريو محبوك وإخراج متقن. هذه معادلة صعبة لكنها ليست مستحيلة.

- فعلا! أتفق تماما مع طرحك. فيلم مفتكر يمكن أن يُعرض في المغرب أو السنغال أو زيمبابوي وسيجد الجمهور فيه نفسه نظراً لصدق تيمته وغنى سرده والطريقة التي صُوّر بها. لقد رأيت في هذا الفيلم وجوهاً جميلة جداً. من المؤكد أنه صُوّر بحبّ وحرص كبيرين. أعجبت كذلك بقدرة المخرج على التحكم في الإيقاع، فمكّنه ذلك من نزع فتيل التوتر في فترات معينة وهذا أساسي جداً من أجل إعطاء الفيلم إيقاعه المناسب، وخصوصا أنه ليس من السهل البتة أن تصوّر شخصيات كثيرة في فضاء ضيّق نسبياً كما في هذا الفيلم.

- على الرغم من عراقة السينما السنغالية وريادتها خلال عقود للسينما الافريقية، إلا أنها تمر بأزمة هيكلية استعصى الخروج منها، علماً أن بعض بوادر الحلّ قد بدأت تظهر أخيراً مع تخصيص صندوق لدعم الأفلام وبعض الجهود لترميم القاعات وإعادة فتحها. هل يمكنك أن تضعنا في السيرورة التاريخية التي أدت إلى هذه الوضعية؟

- نحن اليوم في صدد إعادة النظر في سينمانا. أمزح أحيانا قائلاً إن السينما السنغالية هي سينما عقود (ضحك). مع بداية كل عقد ترى وجوهاً جديدة تطفو على السطح، وكلما مرت السنوات أخذت هذه الوجوه في الاختفاء شيئاً فشيئاً. وهكذا. عقد السبعينات، كان استثنائياً مع قمم، كعثمان صمبين وجبريل ديوب مامبيتي. أتت الرياح فعلاً بما تشتهيه السينما السنغالية آنذاك. فقد حالفنا الحظ بتولي بولين سومانو فييرا زمام «ليزاكتواليتي سنغاليز» التي كانت مكلفة تغطية الأسفار الرسمية وبروباغندا الدولة. وبما أنه كان مخرجاً، فقد حوّل مسار إنتاج الأخبار إلى مجال خلق حقيقي ومكّن أيضاً مخرجين لم يكونوا موظفين من المعدات، بينهم صمبين. فأضحت هذه نواة مدرسة حيث تناقش الأنواع السينمائية ويسلك كلّ مخرج واحداً من الاتجاهات السائدة آنذاك. كالواقعية الجديدة أو المدرسة السوفياتية وغيرها. انطلاقا من هذا، نشأت تساؤلات حول المقاربة السينمائية الخاصة التي ينبغي أن نبلورها، وأي الجماليات يجب أن نتبنى. كان الأمر يتعلق بنقاش غني وليس فقط بمعدات أو بنى تحتية، وكان المخرجون يومها يفكرون بعمق في السينما ودورها. في الموازاة، كان هناك شباب من مثل بين ديوغاي باي وسامبا فيليكس ندياي يشتغلون في المركز الثقافي الفرنسي، لكن مع هبوب رياح 1968، أخذوا بزمام النادي السينمائي الفرنسي واستحوذوا على «نادي الجاز» متبنين روح «الموجة الجديدة»، لكنهم لم يتوفروا على الخبرة اللازمة من أجل إنجاز الأفلام. وضع المركز الفرنسي تحت تصرفهم بعض المعدات فبدأوا بتصوير أفلامهم. كانت موجة السبعينات استثنائية حقاً! ما حدث في عقد الثمانينات هو أن الدولة لم تعد تضخ أموالا في الانتاج بعدما تم حلّ «الشركة الوطنية للسينما»، فهوينا إلى قعر الموجة. نشأ جيل جديد من ضمنه وليم مباي الذي انضم إلى مجموعة «العين الخضراء» التي كانت تضم أيضا فاديكا كرامو - لانسيني (مخرج من ساحل العاج يرأس اليوم مؤسسة السينما في بلاده) وإدريسا ودراوغو وغيرهم من المخرجين الافارقة الشباب الذين اجتمعوا بجانب مسبح فندق «ليزانديباندانس» في واغادوغو (دورة الـ»فيسباكو» 1981) وأعلنوا بياناً يعكس رغبتهم في تبني جماليات جديدة تقطع مع أسلوب سينما جيل الرواد. كانت هذه محاولة رمزية مهمة لقتل الأب. أنشأوا أيضا تعاضدية من أجل تبادل الخبرات واقتسام الامكانات. فيلم المخرج كرامو – لانسيني، «دجيلي» (1981)، كان المعبّر المثالي عن روح هذه التجربة التي لم تعط النتائج المرجوة منها للأسف، لأن وسائل التواصل لم تكن متاحة كما اليوم، مما صعب مهمة الأعضاء.

كما أن النقد كان قاسياً مع هؤلاء الشباب، فقد كتب نقاد: «من هؤلاء الشبان الذين يجرؤون على تحدي رموز السينما الافريقية!؟». مع بداية التسعينات، ظهر جيل جديد في مقدمه مخرجون كمنصور سورا واد، أخذوا اتجاهات وحساسيات جمالية جديدة حيث اعتمدوا على الحكايات الشعبية والأساطير وطرق السرد المنبثقة منها. موسى توري الذي جاء إلى الاخراج من الخبرة التقنية ينتمي أيضاً إلى هذا الجيل، الذي كان منتظراً منه أن يحمل المشعل من الرواد، لكنه سقط ضحية لفترة سياسات التقويم الهيكلي، حيث نهجت الدولة سياسة التقشف فتخلت عن قاعات السينما وتحولت جلّها إلى أروقة تجارية.
- أو حتى كنائس (ضحك)...

-  نعم بعضها تحوّل فعلاً الى كنائس في ما بعد. يومها بدأنا نرى أن تمويل سينمانا يتحول شيئاً فشيئاً نحو الخارج. سواء شئنا أم أبينا، فمن يموّل يفتي أيضا توجهاته. هكذا نشأت السينما السطحية انطلاقاً من أفلام تتخذ من القرى والأرياف مسرحاً لها، وتنهج جماليات معينة لإرضاء الأهواء الغربية والأفريقية في الآن ذاته. لكن هذا لم ينجح لأن الصدق معطى أساسي في معادلة الإبداع. وهذا ما جعل سينمائيين واعدين يستسلمون ويتوقفون عن إنجاز أفلام لأنه لا يمكنهم أن يشتغلوا في وضعية كهذه.
موهبة فذة كجبريل ديوب مامبيتي كان مجبراً على الصمت نحو عشر سنين. هذا يحز في القلب حقا!

مامبيتي صاغ تجربة خلاقة جداً وفريدة من نوعها. تخيل أن النقاد انهالوا عليه بعد خروج «توكي بوكي» (1973)! بعضهم كان يصرخ «ما هذا؟ أنظروا لهذه اللقطة! أنت لا تعرف كيف تصوّر؟». وقد عانى كثيراً جراء هذا. في العودة إلى نهاية التسعينات، لم يستغل المخرجون الفرصة المتاحة آنذاك مع بزوغ العهد الرقمي ولم يستعدوا لها. عوض ذلك، احتقروا الشباب الخارج من رحمها ورفضوا أن يعتبروهم مخرجين. ما حدث اليوم أن الجميع انخرط في موجة السينما الرقمية. لكن، لو اغتنمنا الفرصة وأخذنا بزمام الكاميرا الرقمية مبكراً، واستثمرنا في التكوين الخاص بها، لكانت الأمور أفضل بكثير مما هي عليه الآن.
مع بداية الألفية الجديدة، ورغم قلة الامكانات بفعل استمرار غياب التمويل، انخرط مخرجون شباب في تجربة انجاز أشرطة قصيرة وأفلام وثائقية. جيل جديد مختلف تماماً عن جيلنا. لكن من الضروري جداً أن ننخرط في هذه الموجة وأن نرافقها عن قرب، حتى نستطيع مواكبة الجماليات المنبثقة منها، وهذا ما أحاول فعله شخصياً. اليوم، نشهد عودة المجتمع المدني، حيث أخذ على عاتقه جل الانشغالات السياسية والاجتماعية والثقافية. لم يعد النموذج كما كان في السابق مقتصراً على المبدع وحيداً من جهة والدولة في الجهة المقابلة. للأسف لا نتوفر على مدارس تؤطر هذه الحركية.

الاتحاد الاشتراكي 3/25/2016

 
أنييس فاردا (2) : الفيلم الوثائقي مدرسة للتواضع

تقديم وترجمة: سعيد منتسب - جميلة عناب

أنسييس فاردا، مخرجة من «الموجة الجديدة في السينما الفرنسية» التي استطاعت إلى جانب فرنسوا تروفو وجاك ريفيت وإيريك رومر وجان لوك غودار وكلود شابرول.. إلخ، نقل السينما الفرنسية إلى منطقة أخرى أكثر حرية وأكثر إبداعية، حيث برعت باقتدار كبير في الخلط بين تيارات الإبداع السينمائي وأضافت عليها لمسات مليئة بعناصر البهجة الممتعة الى أقصى حدود الفرادة في التقاط الشخصيات والوقائع. 

فمن مصوّرة فوتوغرافية، استطاعت فاردا إلى عالم السينما من باب الصدفة، بعدما ذهبت إلى أحد الموانئ الفرنسية الصغيرة لتصوّر بعض المشاهد لصديق مصاب بمرض عضال لم يعد قادراً على زيارة قريته. وهناك قرّرت صنع فيلمها الأول، «لا بوانت كورت»(1954) (وهو اسم الميناء الذي تدور فيه أحداث الفيلم) حول زوجين يعانيان من مشاكل زوجية. وقد اعتبر هذا الفيلم بسبب كسره لقواعد السينما الكلاسيكية ممهداً لأفلام «الموجة الجديدة» التي طبعت السينما الفرنسية في النصف الثاني من القرن الماضي.
وقد عرفت فاردا، التي ولدت عام 1928 لأب إغريقي وأم فرنسة، بنشاطها السياسي المهموم بقضايا الحرية للمرأة والشعوب المستعمَرة وفي الانحياز إلى المهمشين حيث عبرت في مجمل أفلامها عن أشواق هذه الشرائح الانسانية التمسك بالحياة رغم الكراهية والموت ولحظات القلق والحيرة والتوتر.

لكن فيلمها الروائي المعنون «كليو من الخامسة الى السابعة» الذي أنجزته العام 1962، اعتبر أفضل اشتغالاتها في السينما طيلة مسيرتها المديدة، حيث حظي العمل بصدى واهتمام نقدي لافت نظراً لحساسية ما قدمته من مشهدية متقنة الصنعة من ناحية تناول العلاقة بين الزمن الواقعي والزمن السينمائي محموم بحرارة عاطفية وإنسانية عالية تدغدغ فيها دواخل الذات بشتى ألوان البساطة والواقع. وهذا ما جعل أفلامها اللاحقة تجد صدى كبيرا عند النقاد والمتابعين للسينما، ومنها فيلم: «السعادة» (1965)، «المخلوقات» (1966)، «ليونز لوف» (1969)، «الواحدة تغني، والأخرى لا» (1977)، «حيطان، حيطان» (1981)، «بدون سقف ولا قانون» (1985)...، «مئة ليلة وليلة» (1995)، «بعد عامين» (2002)... إلخ.

فيما يلي الجزء الثاني من الدرس السينمائي التي ألقته أنييس فاردا بمهرجان كان السينمائي سنة 2000:

أظن أن كتابة الفيلم ممكنة في كل وقت، في وقت معاينة الأمكنة، وأثناء اختيار الممثلين وغير الممثلين، وفي تشكيل الفريق.
نقوم بهاته «الكتابة السينمائية» بمعية تقني التصوير وفي المونتاج أيضا، وبشكل أكبر في المونتاج. أنا، لدي شعور أني أصور وقت التصوير، وأكتب الفيلم أثناء المونتاج.

في بعض الأحيان، يحدث أن أفكر في التعليق أثناء التصوير نفسه، وهذا التعليق، - المكتوب أو في ذهني- يأتي بصور عديدة، التي بدورها تستدعي تعاليق أخرى..

في حمام ساخن جدا، يمكننا أن نتخيل المونتاج، بشكل هادئ وواضح.. نتخيل كلمات، مشاهد كاملة طيلة مدة الحمام.. أحب أن يكون هنالك نوع من الخلق المستمر، وأن تكون هاته الكتابة السينمائية التي تكتمل عندما ننهي مرحلة الميكساج... ذلك أن اختيار المؤلفين الموسيقيين، واختيارات الميكساج.. كل شيء بالنسبة لي هو اختيار، هو إعادة كتابة.

إن فكرة أن أجلس أمام ورقة بيضاء يخيفني، بالرغم من أنني أنا من تكتب أفلامها وسيناريوهاتها، وكل الحوارات والتعاليق..
مثلا، في فيلم «دون سقف ولا قانون» لم أكتب سيناريو بل ملاحظات، لم أكن أريد أن أعلم كل شيء عن «مونا».. أجده أمرا فظيعا أن يلم السيناريست بكل شيء: الذي فعلته قبلا، الذي ستفعله لاحقا، وما الذي تفعله الآن.. إنه أمر مجدٍ، فعلا، لكن من المهم جدا أن نقول لأنفسنا إن شخصية ما في فيلم روائي، تتعدى مبدعها، تتعدى كاتب السيناريو. أردت أن تكون هناك جوانب من حياتها ومن سلوكاتها غير مفهومة، أردت أن يكون المُشاهد مثلي، يُحاول أن يفهم المغزى، من خلال ما قالته السيدة في الحانة، وما قاله القيِّم على المرأب، وما قاله العامل في البناء الذي رآها وهي مارة، أو تونسي يشذب شجرة كرم...
في حوار ذات يوم، ذكرني أستاذ اللغة الفرنسية برواية ستاندال «الأحمر والأسود»، وقال إن شخصية من الرواية، بمثابة مرآة تتقدم طيلة الطريق، رائع!! لأنه فعلا كذلك.. مونا في فيلم “دون سقف ولا قانون” ، تمثل مرآة، نتعلم أشياء كثيرة حول المجتمع القروي خلال سنوات الثمانينيات، كما استطعت أن ألاحظ على مونا نفسها، تستطيع أن تفهم الآخرين في حين أنها لن تستطيع فهم نفسها.. أثناء التصوير، كنا نكتب في لوحة: “للفهم”.. بالنسبة لي، كانت غير قابلة للفهم.
لقد كانت البنية المختارة صعبة جدا: تسع ترافلينغات غير متصلة.. غير أن مونا كانت دائما تمشي من اليمين إلى اليسار، إنها بنية معقدة، نفس الشيء بالنسبة لموسيقى جوانا بروزدويكز، رائعة لكنها صعبة، ذات الإثني عشرة نغمة... باختصار، هو فيلم لا يدغدغ المتلقي، لكن أرى الأمر عكس ذلك !! أعتقد أن هناك قوة ما في طريقة كتابة الشخصية، وفي التشخيص الرائع لساندرين بونير التي تجلب الغضب اللامصدق والقشعريرة المذهلة.

هناك شيئان متميزان: التحفيز والإلهام، كان طلبي للاستفادة من التسبيق على المداخيل قد قوبل بالرفض، في فيلم عنونته «الكائنات»، وقد أخبروني بذلك أحد أيام الجمعة صباحا، وقد غضبت كثيرا، وقلت:

متى يحين موعد الدورة القادمة؟

أجابني: « الثلاثاء، يجب وضع السيناريوهات قبل الساعة الخامسة بعد الزوال»

سأضع سيناريو آخر.. 

وكتبت سيناريو آخر، عنونته «سعادة»، وكنت أحمل انطباعات، وأحاسيس.. لم أفكر البتة بقصته قبلا، كتبتها طوال العشية وفي المساء ويوم السبت صباحا.. استعملت الكثير من المسودات، لم أغادر السرير أنا وجاك، الذي كان ينقل في أوراق بيضاء، كل ما كتبته وكل ما مددته به، حتى تتمكن فتاة كلفناها برقن النص من جعله قابلا للقراءة بشكل أوضح.. عشية يوم الاثنين أتى موعد التسبيق على المداخيل.

الآن، يمكنني القول إن هذا الفيلم لم يولد إثر إلهام، بل إثر غضب أثار محركي وجعلني أسير على الطريق بسرعة فائقة.. كان فيلمي الأول بالألوان، وكنت مُستثارة جدا لأُجَرِّبَني أمام لوحة تعبيرية، مستوحاة من صباغات جزر فرنسا.
الإلهام شيء آخر.. إنه أكثر صمما، أكثر عمقا، لا يمكننا القول، هكذا، في يوم ما: « أنا مُلْهَمة، وسأنجز فيلما رائعا، سأكتب قصيدة شعرية...»، وهنا، بخصوص الإلهام، أحضرت معي نصا سأقرؤه عليكم، وهو شعر لـ»كونو» من كتاب «لحظة قاتلة». وهو كتاب جميل: 
إلهي العطوف، إلهي العطوف، لي رغبة في كتابة قصيدة قصيرة

ها هي واحدة تعبر

شيئا فشيئا

تعال هنا لأضعها لك

على طول القلادة في قصائدي الأخرى

تعال هنا لأصممك

في لوح من أعمالي الكاملة

كل هذا لأقول إن الإلهام، لا يمكن امتلاكه.. بل الأمر ممكن إن أردنا ذلك، علينا أن لا نتمنى نظم قصائد شعرية، أن لا نتمنى إنجاز أعمال هائلة، بل علينا أن نعمل من أجل ذلك، علينا أن نعمل من أجل ما هو غير مرتب، من أجل اعتقادات صعبة المنال، أو أشياء غير ملموسة.

بونويل، الذي يعتبر أستاذا، قال شيئا رائعا: «في مكان ما بين الصدفة والسر يوجد الخيال، الحرية الكاملة للرجل»، بين قوسين، المرأة أيضا.. هذه الكلمات: «سر»، «صدفة» تبدوان جد صحيحتين، أظن أننا، في بعض الأحيان، نعمل دون أن نعي ماذا نفعل، أي أن هناك أشياء خفية تجعلنا نعمل كذلك، تلك اللقطة، الكتابة بهذا الشكل، طلب هاته الحركة أو تلك.. يلزمنا الكثير من الصدف.. استدعيت الصدفة بكل قوتي في كل مرة أباشر التصوير.. والصدفة أتت، الصدفة تخدمني دوما، ليس بشكل كلي بل تقريبا.
في «Les glaneurs»، دخلنا عند تاجر خردة، وجدنا لوحة لامرأة متشردة، عندما قمت بتصوير «كليو من 5 إلى 7»، سنة 1962 في باريس، فعلا سطرت طريقي قبلا، لكن شاءت الصدف أن تكون هناك محلات تحمل اسم «صحة جيدة»، أخرى تسمى «مأتم»... كل ما كانت له علاقة بالمرض والموت أُريدَ له أن يوجد على طول طريقنا المرسومة.. هو فيلم تدور أحداثه ما بين الساعة الخامسة والساعة السادسة والنصف.. امرأة جميلة جدا تخاف نتائج فحص طبي، تخاف أن تكون مصابة بسرطان ما.. كان موضوع الفيلم حول الموت والجمال.

كانت هناك صورة وبطاقة بريدية تستنسخان لوحة هانس بالدونغ كريان، دير تود أوند دي فرو، الموت والمرأة.. امرأة، جميلة، جميلة البشرة كما نساء اللوحات الألمانية خلال القرن السادس عشر، شقراوات، جميلات، كبيرات.. وهناك هيكل عظمي يهمس كلمات في الأذن.. لوحة أخرى لنفس الفنان حيث الهيكل العظمي يجر شعر المرأة، إنها علاقة الجمال بالموت، المبلل والجاف، اللحم والعظم، الجمال والقبح، هذا التضاد، هذه المواجهة.. تكفيني صورة واحدة لأعرف عن ماذا يتحدث الفيلم.. كنا نتوفر على تلك البطاقة البريدية طيلة مدة تصوير «كليو من 5 إلى 7»، ألصقتها في جانب من الديكور.
وعندما أعددت وصورت «جاكو نانت» الذي يدور حول طفولة جاك ديمي كما حكاها لي، كان لنا الحظ أن نصور في الورشة الحقيقية التي نشأ بها. لكن أين كانت تقع تلك الحفرة القديمة التي تسمح للعامل بالنزول تحت السيارة؟ لا جاك ولا أمه تذكراها.. وقلت: «إذن، سنخترعها، سنختار الموضع الأحسن لنتمكن من تصويره من كل الجهات».. استدعينا بَنّاءً، وقام بتقييم الثمن في حدود اثنين وعشرين ألف فرنك، كان من الواجب حفر متر وعشرين سنتيمترا عمقا، «هيا، سيحفر، وبعد عشرين سنتيمترا سيسقط في الهوة القديمة».. ولأسباب سينمائية صرف، كنت قد وجدت المكان الصحيح للحفرة التي تعود لسنة 1940، تروقني مثل هذه القصص، هكذا يساعدنا السر والصدفة على العمل، دون أن نتحكم فيهما.

إن الفيلم «جاكو نانت» هو بحث عن الخيال. كثير من السينمائيين، كثير من الكتاب... يتكلمون عن طفولتهم الخاصة، لكن أنا، قمت ببحث وتحرٍ في طفولة جاك، كان مرتاحا وهو يحكي لي، لم أكن أقرأ أفكاره، لم يكن يعلم تماما ما الذي أفعله، لكنه كان يعلم جيدا أنني بصدد تصوير طفولته، لأن طفلا يشبهه كان يجلس أمامه، امرأة تشبه أمه كانت قد لعبت دور أم الصبي، رجل لعب دو الأب وكان أيضا يشبه أباه.. وأنا، كنت قد اخترعت حوارات عائلية من وحي ما كان يقال في العائلة سنتي 1942/ 1943، ومن وقت لآخر أطلب منه «أنصت، هل كنت تسمع هذا؟ هل هذا هو بالضبط؟ هل هذا صحيح؟» وكان في مرات عديدة يقول لي: « أنا هو، أنا هو»، أظن أنه وجد طفولته تماما كما كنت أتخيلها، أو كما كانت حقيقية. قد يحدث أن أتخيل أشياء قيلت تماما.. يمكن أن أكون قد اخترعت.. ليس للأمر أية أهمية، مادام قد قبلها كما لو كانت جزءا من طفولته، واعترف بها.
أظن أن الأهم هو التواصل وليس الفهم، لست واثقة.. من جهة أخرى، ينبغي على المشاهد أن يفهم ما يرى، لكن عليه أولا أن يحس، أن يتواصل وكل الأمور، بما فيها تلك التي تشغل مبدع الفيلم.. القلق والانشغال لا يُفهمان بالضرورة، بل يحققان تواصلا.
عن طيب خاطر، أتكلم عن أشياء أخرى غير السينما، لأن هناك أساتذة أكفاء جدا في الكليات ومدارس السينما، يُعتبرون مراجع في السينما وأيضا مراجع في التقنية.. نعم التقنية تُلقن بسرعة، بغض النظر الآن عن وجود ثورة كاميرات صغيرة رقمية، نتحدث الآن عن عصر نستطيع فيه أن نُؤفلم ما نفكر فيه، تماما كما لو كنا نُدوِّن ملاحظات. 

في جزء من فيلم « Les glaneurs »،على الأقل ربع ساعة، أنجزتها لوحدي، عندما صورت شعري، أظافر رجليَّ أو يدي في الطائرة، أتيت بأشياء قد لن أستطيع أن أطلبها من تقني أن ينجزها.. فكرة محاولة الإتيان بشيء شخصي من شأنه أن يحركنا في فيلم مهني، هي مسألة تغير قليلا من المعطيات.

أحب أن أصور ما أسميه « الناس الحقيقيون»، لا أتحامل على الممثلين، بل اشتغلنا معا بكثير من المتعة، لكني كنت دائما مندهشة من الناس، ناس الشارع، ناس البادية، ناس نلتقيهم عندما يكون لدينا متسع من الوقت، عندما تكون لدينا الرغبة في ملاقاتهم.. ما يقولونه، ما يفعلوه، طريقة تعاملهم هي درس رائع.. هناك كلمة أخرى، كلمة صغيرة لـ»كانو»، كانت مضحكة جدا: كان يتكلم بخصوص كل «رجل صغير»، بخصوص هاته الحيوات.. الفكرة، هي أن ضخامة هذا الكون تتسع حتى لأصغر النقاط، التي تبدو- كل منها على حدة- كل شخص لا يمكننا معرفته إلا إذا اقتربنا منه، والتقيناه، واهتممنا به... إذا ارتبطنا به، إذا أخذنا في تصويره، وفغي إعطائه وجودا آخر، الوجود المؤفلم.

ففي هذه اللحظة تصبح تلك الشخصية المجهولة شخصية معروفة، لأن وجودها ينتقل الى أشخاص آخرين، يبدأون في التعرف عليها، ومن ثمة يبدأون في حبها.

وهكذا أتذكر أنه عندما أنجزت فيلما وثائقيا حول أناس الزقاق الذي أقطنه، فيلم Daguerreotypeكان هناك بزاز وبزازة، لم يكونا صغيرين في السن، ولم يغيرا واجهة محلهما منذ ثلاثين سنة. كان يصنع بنفسه عطوره التي كان يضعها في قوارير، وكانت هي تتحرك كروح تائهة داخل المحل. كانت تنسى، كانت لا تتذكر الأشياء، غريبة نوعا ما، وكل يوم في الساعة السادسة مساء كانت تفتح الباب وتذهب هكذا على الرصيف. زوجها الصارم كان يقول: «في كل مساء تريد الرحيل، لكنها لا ترحل». فهذه المرأة وزوجها، اعتقد أنه لا يمكن نسيانهما. تلقيت مرتين رسالتين من أشخاص يسألونني: «انت الذي أنجزت هذا الفيلم، هل بإمكانك أن تقدمي ورودا لهذه السيدة؟ وهناك أناس اخرون في بلدان بعيدة حدثوني عنها. تلك السيدة.. ماتت، لكنها تبقى كمرجع، شخصية في الفيلم الوثائقي تظل في ذاكرتنا، وفي فيلم Les glaneursهناك شخوص لا يمكن نسيانهم، ذلك الرجل بحذاءه الطويل الذي يجوب المدينة من صندوق قمامة إلى آخر، وهو يقول: «أنا ملك المدينة، الجميع، يرمي كل شيء وأنا احصد كل شيء».
لست أنا من كتب هذه الحوارات، هو من كتبها كلها. فإنجاز الفيلم الوثائقي ليس مهما فحسب، بل هو مدرسة للتواضع.
نتحدث في كل وقت وحين عن النفايات النووية، لكننا لا نتحدث عن واقع أناس أثارني، أناس يعيشون على فضلات الآخرين، واقع أناس يقتاتون من بقايا حاويات الأزبال، يجمعون ما في الأسواق عندما ينتهي السوق، أناس يعيشون من بقايانا. أقول بقايانا لأننا نحن الموجودون هنا، نأكل بشكل طبيعي تقريبا. لا نحس بالجوع. لكن هناك أناس يحسون بالجوع وفقراء الى درجة جمع النفايات والبقايا في الأسواق. اثارني ذلك إلى درجة أنني أردت أن أنجز فيلما حول الموضوع، فيلم صادق. لا أريد إنجاز فيلم بنبرة بئيسة، بل فيلم حول «كيف يعيشون هم أنفسهم هذه الوضعية، ماذا يقولون عنها، أفكارهم حولها، نظرتكم للمجتمع». فكلما اقتربت من هؤلاء الناس الفقراء جدا أو الاذكياء جدا أو فقط المليئين بأحاسيس عميقة، كلما اكتشفتهم أكثر. هم في الغالب أسخياء، وهو شيء مثير للمتعة، والمرح النسبي لأناس يعيشون في البؤس…

عموما، عندما أنجزت فيلما وثائقيا، أنجزت بعده فيلما تخييليا، والحدود بين النوعين غير مغلقة (…) لابد أن تحس بنصية توثيقة في الأفلام الخيالية، ولابد من خلق شخصيات في الأفلام الوثائقية ففيلم «بلا سقف ولا قانون» فيلم خيالي، بمعنى أن منى شخصية مختلقة، فكل شيء مكتوب، حتى لو كانت شخصيتها تتغذى ومستلهمة جزئيا من أناس التقيتهم، ومن أشياء سمعتها أو رأيتها. على سبيل المثال، التسكع طيلة ساعتين أو ثلاث، أثناء الليل في محطات القطار عندما لا تكون هناك قطارات. وبطبيعة الحال التحدث مع الناس في البادية. الفيلم موثق لكن الشهادات في الفيلم مكتوبة. إنها ليست شهادات حقيقية. وخلال التصوير، احتفظت بهذه البنية التوثيقية للنص حتى نصدق القصة (…).

في الأفلام الوثائقية الاشخاص الذين نلتقيهم أو نصورهم مهمون وغير متوقعين إلى حد أنهم يصبحون شخصيات كما لو أنهم شخصيات فيلم خيالي. 

أنا انتقل من الوثائقي إلى الخيالي والعكس صحيح.. طريقتي في التفكير وكل أفلامي تتضمن التناقض: الأفلام الوثائقية والأفلام الخيالية الزمن الذاتي والزمن الموضوعي. هذا يغني، والآخر لا، الحمال والموت. فالصيادون في فيلم «لا بوانت كورت» عبارة عن زوجين يتحدثان. هذه التناقضات تعني كذلك خلق الفرجة والحديث عن الحياة الداخلية، إنه مجال الداخل الذي يجب أن يجد شكلا سيكون إطاره وصوره هو مجال الفيلم. وليكون كل هذا العمل في الداخل والخارج، أشعر بنفسي قريبة من القطط. لقد لاحظتم: عندما يكونون في الداخل، يريدون الخروج، وعندما يكونون في الخارج يريدون الدخول. هل هذا درس في السينما؟ لا أدري، أقول أي شيء..

أريد أيضا أن أتحدث عن مدة السينما، التي ليست زمنا. أنا التي كنت مصورة، رأيت الفرق. فالصورة، أضعها على الحائط، ويمكنكم أن تشاهدوها لثانيتين أو لخمس دقائق. يمكنكم إما أن تبقوا أمامها، أو يمكنهم أن تفعلوا في اليوم الموالي. أنتم الذين تختارون مدتكم. أما في السينما، فالمخرج هو الذي يفرض عليكم مدة المشاهدة. فإذا، وضعت في فيلم لقطة لبطاقة بريدية مدتها خمس ثوان، فأنتم ستشاهدونها لمدة خمس ثوان، وليس ست، ولا ثلاث، ولا أربع. فالمشاهدون ألفوا اللقطات المكبرة التي تستغرق خمس ثوان، أو اللقطات المتحركة التي تستغرق عشر ثوان. أما التحول الكبير، فهو الفيديوكليبات التي نشاهدها في التلفزة، وهي موضبة بارتجال وأقصى سرعة. لقد غيروا تلقي المشاهدين للزمن. لم يكن بوسعنا أن نتخيل هذا في سينما الماضي. كثير من الأفلام القديمة تظهر لنا بطيئة. إنها جميلة ربما، ولكننا نشعر بها بطئية. لا أقول هذا من أجل أن أقترح عليكم أن تقوموا بمونطاج مرتجل... أريد أن أقول بأنه وقع مؤخرا التلاعب بزمن المشاهدة المقترح أو المفروض على المشاهدين..

هناك مخرجون ينجزون لقطات طويلة جدا، مثل شانتال أكيرمان في فيلم «جان دييلمان»، حيث نشاهد بطلة الفيلم «دلفين» الرائعة وهي تقشر البطاطا بشكل كامل. كان الأمر صادما تقريبا، إنها مدة أنشأتها شانتال. ومن المهم ومفيد في الوقت نفسه أن يكون بوسعنا القيام بذلك. وكذلك فعل غودار الذي عودنا على لقطات غريبة تستغرق أحيانا مدة غير مفهومة يفرضها. ليس علينا أن نفهم ذلك أو نحبه، ولكننا نعرف بأن لهذه المدة أثر. وعملنا يقتضي أن نتوقع ما هو الأثر الذي يخلفه ما نقوم به. وليس أن نقوم بالعمل قائلين: «لنرمي به كيفما اتفق، ما دام بإمكانهم تدبر أمرهم». عملنا يفرض علينا أن نقول: «ما هو التلقي الممكن لما أشعر به بالنسبة للمشاهد؟»، هذا على افتراض أن لدينا قاسما مشتركا بالنسبة لانطباعاتنا ومشاعرنا..

إن مشروع فيلم «كليو» هو الانتظار الذي تبديه تلك المرأة المطبوعة بالخوف، ولهذا فإن زمنها ينضغط ويتمدد، فالساعة تكون الخامسة، ثم تصبح الساعة الخامسة و20 دقيقة، ويتوالى الزمن. إنها لا تتلقى الوقت بالطريقة نفسها، ولا الخوف بالطريقة نفسها. هناك الزمن الذي يقاس بالساعات، وبالمسرعات، وبعدادات السرعة، وهناك الزمن الموضوعي، أي الزمن الذي نشعر به. فأثناء خروج فيلم «كليو» إلى القاعات، قمنا باستطلاع صغير للرأي، وطلبنا من الناس إرسال أجوبتهم. كانت الأجوبة رائعة، وقد احتفظت ببعضها. فهم الناس جيدا الفيلم. كانت هناك ردود دقيقة جدا وذكية. قلت لنفسي: « المتفرجون ينتبهون جيدا.. كل شخص يتلقى الفيلم وكأنه موجه إليه...

وبالنسبة للناس، أريد أن أقرأ قصيدة كتبها كينو Queneau، وهي مأخوذة من سلسة «Si tu imagine»، وتحمل عنوان «الفضاء الانساني». إنها قصيدة مثيرة للفضول:

الفضاء الانساني منحني

حق أن أكون فانيا

واجب أن أكون متحضرا

الضمير الإنساني

عينين لا يعملان مع ذلك جيدا

قدمين ويدين

اللسان

الفضاء الإنساني منحني

أبي وأمي

أبناء عمومة بالمجارف

وأجدادا

الفضاء الانساني منحني هذه القدرات الثلاثة

الإحساس، الذكاء والإرادة

كل واحد بشكل متعدل

الفضاء الإنساني منحني

اثنين وثلاثين سنا، قلب، كبد، أحشاء أخرى وعشرة أصابع

الفضاء الإنساني

ما يجعلني راضيا

فعبر ثلاث كلمات رائعة، «الإحساس، الذكاء والإرادة»، قال كل ما أراه واجبا.

هناك أساتذة في السينما، وهناك أيضا مرشدون في الحياة. وبالنسبة إلي، يعتبر غاستون باشلار وناتالي ساروت هما شيوخي.. مرجعيتي. في الصين، يضعون على مهود الرضع صورتين تمثلان كائنات حامية. فكرت دائما في باشلار وستاروت، فقد حمياني خلال حياتي كلها من القماءة. فبفضل حمايتهما، أحس أحيانا بأنني بليدة، لكن لم أشعر قط بنفسي قميئة. أريد أن أستشهد بساروت، لكنني سأنهي الدرس ببياشلار: «الخيال الذي يحكي ينبغي أن يفكر في كل شيء، ينبغي أن يكون ممتعا وجادا، وينبغي أن يكون عقلانيا وحالما. يلزمه أن يوقظ الاهتمام العاطفي والروح النقدية».

نعم، هذا هو ما أريد فعله، أنا المخرجة.

جريدة الاتحاد الاشتراكي 3/25/2016

 
Crise de leadership ?

 

Écrit par Mohammed Bakrim

Le court métrage a souvent fonctionné comme indicateur de l’état de santé global du cinéma marocain. Son évolution même est à l’image de l’évolution de ce cinéma. Pendant longtemps, le cinéma marocain était tout simplement réduit à sa production de courts métrages; durant une bonne partie des années 1950 et des années 1960.

Certains observateurs n’hésitent pas d’ailleurs à qualifier cette période tout simplement d’âge d’or, non pas du court métrage mais de tout le cinéma marocain. Notamment dans sa version documentaire. De jeunes cinéastes issus de la prestigieuse école de cinéma parisienne, l’IDHEC, ayant rejoint le centre du cinéma marocain ont produit et réalisé des films d’une grande richesse thématique et visuelle. Inscrit dans un dispositif institutionnel qui en faisait des films de commande (il n’y avait pas de télévision à l’époque), cela ne les a pas néanmoins empêchés à faire preuve de créativité et d’imagination, aussi bien dans les fictions à visée didactique que dans les documentaires de vulgarisation ou de promotion. Des noms comme Benchekroun, Bennani, Afifi, Lahlou, Tazi, Bouanani, Rechiche… ont marqué cette époque.

Plus tard, avec l’arrivée de la télévision, l’éclipse du cinéma et le retrait du CCM de la production directe, le court métrage va être à l’image de la traversée du désert du cinéma marocain, particulièrement durant la période des années 1970.

Avec l’entrée en vigueur du système de l’aide publique au cinéma, notamment depuis l’instauration du fonds d’aide à la production, le cinéma marocain va connaître un certain décollage, qui ne manquera pas de profiter au court métrage. Une date à marquer d’une pierre blanche dans ce sens, le Festival national du film de Tanger en 1995. Cette édition va voir débarquer (au sens propre et au figuré !) une nouvelle génération de cinéastes court-métragistes, qui donneront à ce format ses lettres de noblesse et lui assureront un nouveau départ. Il s’agit de Nabil Ayouch, Lakhmari, Lagzouli, Ulad Mhand… On peut parler en toute logique d’une nouvelle vague, portée par un réel désir de cinéma. Une vague qui sera prolongée et portée au fur et à mesure de l’évolution du système de production par des figures emblématiques. C’est ainsi que nous aurons symboliquement des périodes centrées sur tel cinéaste ou tel autre ; autour duquel gravitent de nouvelles générations issues de parcours diversifiés : écoles de cinéma, cinéphile, autodidactes... C’est ainsi que nous avons eu, après la période Lakhmari, une période Faouzi Bensaïdi. A Oujda en 2003 commence la période Mouftakir qui va nous conduire jusqu’à la fin de la première  décennie des années 2000, qui voit arriver l’ère Aziz Fadili. Depuis lors, c’est le silence plat. Aucune figure n’a réussi à s’imposer comme porte-drapeau de la nouvelle génération de court-métragistes marocains. Le court métrage est orphelin, sans leadership.

Certes des noms ont bien marqué les dernières éditions du Festival national du film. Je pense à Hicham Lasri, avant son passage au long métrage ; à des cinéastes issus de la diaspora, lors de l’édition de 2014 en particulier... mais depuis, aucun jeune cinéaste n’a su imposer une démarche spécifique, ni l’ébauche d’une vision, ni même un ancrage dans une tendance esthétique déterminée. Cela a été confirmée lors des dernières éditions avec la prépondérance de films portés plus par un jeu formel, un flou thématique, voire un éclectisme esthétique. Au mieux on assiste à un remake de certains succès cinématographiques au point de telle sorte que l’on pourrait parler d’un courant post-casagnégra (voir le court métrage récompensé lors de la dernière édition du FNF). Cela invite certainement à s’interroger sur l’ensemble du dispositif en vigueur : aide à la production, formation ; présélection…

L’arrivée de nouveaux modes de « fabrication des images » et de leur diffusion via le web, notamment, est certainement en train de bousculer toute une conception – classique -  du court métrage.

 

Journal Al Bayane du 25 – 03- 2016

 
الدرس السينمائي .. أنييس فاردا : تعلمت اللون، الضوء والتأطير من التشكيل

 

تقديم وترجمة: سعيد منتسب - جميلة عناب

أنسييس فاردا، مخرجة من «الموجة الجديدة في السينما الفرنسية» التي استطاعت إلى جانب فرنسوا تروفو وجاك ريفيت وإيريك رومر وجان لوك غودار وكلود شابرول.. إلخ، نقل السينما الفرنسية إلى منطقة أخرى أكثر حرية وأكثر إبداعية، حيث برعت باقتدار كبير في الخلط بين تيارات الإبداع السينمائي وأضافت عليها لمسات مليئة بعناصر البهجة الممتعة الى أقصى حدود الفرادة في التقاط الشخصيات والوقائع. 
فمن مصوّرة فوتوغرافية، استطاعت فاردا إلى عالم السينما من باب الصدفة، بعدما ذهبت إلى أحد الموانئ الفرنسية الصغيرة لتصوّر بعض المشاهد لصديق مصاب بمرض عضال لم يعد قادراً على زيارة قريته. وهناك قرّرت صنع فيلمها الأول، «لا بوانت كورت»(1954) (وهو اسم الميناء الذي تدور فيه أحداث الفيلم) حول زوجين يعانيان من مشاكل زوجية. وقد اعتبر هذا الفيلم بسبب كسره لقواعد السينما الكلاسيكية ممهداً لأفلام «الموجة الجديدة» التي طبعت السينما الفرنسية في النصف الثاني من القرن الماضي.
وقد عرفت فاردا، التي ولدت عام 1928 لأب إغريقي وأم فرنسة، بنشاطها السياسي المهموم بقضايا الحرية للمرأة والشعوب المستعمَرة وفي الانحياز إلى المهمشين حيث عبرت في مجمل أفلامها عن أشواق هذه الشرائح الانسانية التمسك بالحياة رغم الكراهية والموت ولحظات القلق والحيرة والتوتر.
لكن فيلمها الروائي المعنون «كليو من الخامسة الى السابعة» الذي أنجزته العام 1962، اعتبر أفضل اشتغالاتها في السينما طيلة مسيرتها المديدة، حيث حظي العمل بصدى واهتمام نقدي لافت نظراً لحساسية ما قدمته من مشهدية متقنة الصنعة من ناحية تناول العلاقة بين الزمن الواقعي والزمن السينمائي محموم بحرارة عاطفية وإنسانية عالية تدغدغ فيها دواخل الذات بشتى ألوان البساطة والواقع. وهذا ما جعل أفلامها اللاحقة تجد صدى كبيرا عند النقاد والمتابعين للسينما، ومنها فيلم: «السعادة» (1965)، «المخلوقات» (1966)، «ليونز لوف» (1969)، «الواحدة تغني، والأخرى لا» (1977)، «حيطان، حيطان» (1981)، «بدون سقف ولا قانون» (1985)...، «مئة ليلة وليلة» (1995)، «بعد عامين» (2002)... إلخ.

فيما يلي الدرس السينمائي التي ألقته أنييس فاردا بمهرجان كان السينمائي سنة 2000:

«وأنا أقول «نعم»، أرغب دائما في الضحك حين يقترحون علي تشريفا، لقبا، منصة، بطاقة بيضاء أو بطاقة بريدية. فعندما اقترح علي جيل جاكون إلقاء درس في مهرجان كان 2000، بعد مخرجين ذائعي الصيت، شعرت بالإطراء، أي نعم، لكنني تذكرت بسرعة سلفادور دالي حين تم استدعاؤه في ندوة بالسوربون، في الوقت الذي كان فيلمي الأول سيعرض، لأول مرة، في قاعة سينمائية واحدة. أتى على متن سيارة «رولز رويز» مملوءة بالقرنبيط. وأنا أفكر في دالي، قبلت الدعوة عن طيب خاطر. فعلى سبيل الافتراض، كان يمكنني أن آتي على متن سيارة «كاديلاك» عارية السقف مليئة بالبطيخ، وعلى طاولة «قاعة السفراء» (الخاصة بالسيارة)، يمكننا أن نضع إبريق ماء بمذاق الليمون على مفرش من أوراق الأقانثا والميموزا. أما بالنسبة لإلقاء درس، فأشعر بأنني عاجزة عن إعطائه. لكن إذا كان هناك أشخاص مستعدون للاستماع إلي، سأتحدث بكل أريحية وسأتحاور مع الأشخاص الجالسين أمامي. فالحديث عن السينما، عن السينما التي أصنع، وتلك التي أحب، هو دائما متعة».

كتبت هذا قبل شهر، والآن أشعر مع ذلك بالخيبة. حسنا، الكاديلاك كانت أمرا افتراضيا، لم أطالب بذلك كثيرا، لكن الميموزا، كان بإمكانهم أن يجدوها مع ذلك. إذن، ليس هناك ميموزا، فليس هناك أوراق الأقانثا، وليس هناك ماء بطعم الليمون. الماء عاد، وهم لم ينفقوا علينا الكثير من المال. لكني جئت ببضع إكسسوارات، لدي ملف بنفسجي، وأنا مخلصة لسمعتي في حب الألوان. لدي طوابع بريدية، منها واحد بـ 2.7 فرنك، يجسد قطة. وعندما مررت بسوق الخردة، أمس، اشتريت ساعة، لأنه لا ينبغي علينا أن ننسى الوقت الذي يمر: الساعة الآن 14 و45 دقيقة عندما نبدأ، وعلينا أن نحرص على الوقت.
كيف يمكننا أن نتعلم السينما؟ سأحاول أن أخبركم عما وقع معي. عندما أخرجت فيلمي الطويل الأول سنة 1954، كنت قادمة من الفوتوغرافيا، أي نعم، ولكن ليس من أي مدرسة للسينما. لم أقم بالمساعدة في الإخراج، وعلي أن أعترف بأنني لم أشاهد سوى 5 أفلام وعمري 25 سنة. لم أكن أذهب إلى السينما. فالكثير من مخرجي الموجة الجديدة كانوا «سينيفيليون» ملتزمون، ويقال إن سراويلهم الداخلية بليت من كثرة التردد على المكتبات السينمائية. أنا لم آتي من السينما، هذا مؤكد، ولم أكن أبدا جرذ مكتبة سينمائية. كنت فأرة لا شيء على الإطلاق، ربما فأرة متحف، مسرح أيضا، وربما فأرة مكتبة صغيرة. قرأت كثيرا إلى غاية الثلاثين سنة، وأحببت كثيرا التشكيل. لم أذهب إلى مدرسة.. لكن مدرسة الحياة، ها ها. لا أعني هنا تماما ما يحدث لنا بالضبط: أحداثنا، مشاعرنا، هذا نعم بالتأكيد.. لكن بالأحرى رؤية ما يحيط بذواتنا.
عندما كنت في الولايات المتحدة، اقترحوا علي أن أعطي دروسا لطلبة السينما CalArtلمدة ثلاثة أيام. إنها جامعة بالقرب من لوس أنجلوس. فقلت لهم: «لتأتوا بكاميرات 16 مم»، وذهبنا إلى داونتون في لوس أجلوس، إلى مقهى شعبية، يتردد عليها الكثيرون. قلت لهم: «ضعوا إحدى الكاميرات هنا، والأخرى هناك». أما النظام التعليمي الذي أجبرتهم عليه، وهذا ما ينبغي قوله، فهو أن لا يضعوا الفيلم في الكاميرا. فالمشكل ليس هو التصوير، بل المشكل هو التعود على الرؤية من خلال العدسة، ومن خلال إطار الكاميرا، أي ما سيصبح صورة، كيفما كانت، لكن صورة مغلقة بإطار: رؤية كيف تتحول الحياة إلى مشهد، وكيف تتموضع. يمكنكم أن تقوموا بالتجربة في أي مكان، أن تجلسوا في مقهى، وأن ترسموا إطارا، ثم تراقبون ما يحدث داخله. وسترون بأن الأشياء تقع بطريقة رائعة. هناك من يأتي هكذا، ثم يقف. هناك طفل يركض هنا، وهناك رأس تصبح في الواجهة. هناك مجريات حياة تقع أحيانا بشكل فرجوي. ليس بالضرورة في الوقت نجلس فيه بالمقهى. أحيانا بعد خمس دقائق، وأحيانا بعد نصف ساعة. كأننا نريد القول بأننا لو تركنا الكاميرا تصور في مكان معين، سنحصل على الأقل على خمس أو ست لحظات من اليوم عبارة عن مشاهد سنكون ربما عاجزين عن إنجازها بالعبقرية نفسها. فالحياة تتحول إلى مشاهد، وهذا ما ينبغي ملاحظته..
تعلمت كثيرا من التشكيل، من تطبيقات واقعية. فلأختار المرأة الشابة في فيلم «بوانت كورت» la pointe courte، فكرت في لوحات بييرو ديلا فرانسيسكا، حيث النساء بأعناق جميلة هكذا، طويلة كفاية وعريضة قليلا. فطلبت، إذن، من سيلفيا موتفورت أن تلعب «هي» (ما دام يتعلق الأمر بـ»هي وهو»).
شيء آخر تعلمته من التشكيل، إنه التأطير. لنأخذ تشكيليا مثل ديغاس، ولنتحدث عن راقصاته الصغيرات. لكن حين نتحدث عن مجموع لوحاته، فلديه طريقة تأطير مذهلة. هناك دائما في «تأطيره» شخصية على وشك الخروج: قدم، ساق، طرف من تنورة، أحد ما يهم بدخول الإطار. قالوا لي إنه يقوم بنسخ لوحاته بنفسه، يرسمها ثم ينسخها. وما ينبغي بالفعل تعلمه أو القيام به هو أن تقول لنفسك: «الإطار الجميل هو عندما يكون كل شيء في المكان المناسب، وكل شيء يكون ممتلئا، والفضاءات تكون ممتازة، وليس هناك في اليمين سوى ما ينبغي أن يكون هناك فقط، وفي اليسار، والوسط، والأسفل». ينبغي، على العكس، أن نفهم بأن الإطار ما هو سوى جزء من الذي ليس في الإطار، أي ما هو خارج الإطار، أي الشيء الذي يقع قبله تماما، ليس على مستوى المدة، بل على مستوى الصورة. ينبغي أن نمنح المشاهد إمكانية أن يتخيل ما لا يراه. وهنا أشير ميكاييل سنو وفيلمه «Wavelength»، وأفكر في فيلم «الرجل الذي ينام» لأندي وارهول.
أحب أن أتحدث عن فويلار، بونارد وهونكي لأسباب مختلفة، والتي ترتبط، عند كل واحد منهم، بالضوء، باللون أو بالتعبير. فيما يخص الفنانين التشكيليين القدامى، فلم تكن هناك سينما، ولا تصوير فوتوغرافي، وكان يتعين عليهم أن يعبروا، وأن يجعلوا الآخرين يشعرون بأحاسيس معينة، كالرعب، والشفقة.. وكل هذا.
فخلال تصوير فيلم Glaneursعلى سبيل المثال، توقفت في مدينة بون لأصور لوحة «القيامة» لروجيي فان دير ويدن، وهي اللوحة التي أحببتها دائما.. عذرا إن سمحت لنفسي بهذا الاستطراد الصغير. فأنا أجد هذه الصورة رائعة، أن تزن الأرواح، وأن يكون الناس في الوقت نفسه أرواحا وأجسادا، وأن يقع التصالح لديهم بين الروح والجسد. ففي هذه اللوحة التي تعود إلى القرن 15، نرى رجلا مرتعبا من صعوبة وجوده في المطهر: هناك حركة رائعة، يده كلها في الفم ويشد على أذنه. وهذه حركة أجدها مذهلة، إنها ليست حركة مخرج سينمائي، وليس حركة كوليغرافية، إنها حركة ابتكرها الفنان ليعبر عن شيء خارق. والسينما، بالنسبة لي، هي محاولة التعبير عن هذه الحركات المستحيلة.

فمن الواضح أننا إذا أردنا أن نفهم الضوء، علينا أن نشاهد فيرميير، دي لاتور.. ففي عالم أكثر عصرنة، تأثرت السينما بإدوار هوبر، هذا الفنان الأمريكي الذي يرسم هكذا، أناسا في المقهى مساء، ونساء قرب النوافذ عندما يكون هناك أفق.. وأناسا مهجورين في غرف فنادق.. يظهر لي أن هذه الرسومات ألهمت السينما بلون معين، بطريقة معينة لتسرب الضوء. وبالعودة إلى لوحات أكثر قدما، يكفي مشاهدة أعمال تلك المرحلة التي كانوا يرسمون فيها عمليات الصلب، وإنزال الصليب، وأشياء مثل تعبيرات العنف المذهلة، والمعاناة، واليأس، لإحداث التأثير.. بل هناك أحيانا، تعبيرات لا يمكن لأي حركة التعبير عنها. الحركة المتوقفة، التعبير المتوقف.. يكثف كثيرا الذي وقع قبل ذلك وبعده.

وتشتغل السينما كنظرة ثانية، كقراءة ثانية. على سبيل المثال إذا شرعنا في النظر مليا إلى شخص نعرفه جيدا، كنا نحبه أو لا، فإننا نكتشفه بالفعل.. أنظروا إلى يدي. إنها لطيفة بما يكفي، لا بأس، إنها شائخة قليلا، لكن لا بأس. وإذا صورتها عن قرب، مطوية هكذا، سيكون الأمر فظيعا فجأة: كل الشيخوخة توجد في ثنايا يدي. أريد أن أتحدث عن النظرة الحادة، الميكروسكوبية، حيث النظرة العاشقة أو النظرة الغاضبة أكثر كثافة من العادي. وعلى الشباب الذين يريدون أن يصبحوا مخرجين سينمائيين، ما دام الأمر يتعلق بدرس سينمائي، أن يستوعبوا ذلك جيدا. إن هذه «النظرة الثانية» أيضا عمل بنيوي، سواء أكان كتابة أو مونطاجا (توضيبا)، ينظم من أجل أن يكون قابلا للانتقال..

أستعمل غالبا كلمة «Cinécriture» لأتحدث عن عملي. لا أستسيغ قول «هذا سيناريو مكتوب جيدا». ما هو السيناريو إذا لم يكن مرحلة انتقالية بين تخييل السيناريست والفيلم؟ هذه المرحلة الانتقالية موجودة من أجل إيجاد المال، ومن أجل إذهال المنتج، ومن أجل إقناع الممثلين. إننا نقرأ سيناريوهات محبوكة جيدا، هناك الكثير منها بالفعل. ففي السيناريو، حتى لو كتبنا «travellig avant»، فإننا لا نقول من أين تنطلق سرعة الترافلينغ، ولا نقول إلى أين تصل، لا نقول إنها فوضوية أو عادية. أعطوا هذا السيناريو لخمسة مخرجين مختلفين، فستحصلون على خمسة أفلام مختلفة، حتى لو سلمنا بأنهم احتفظوا بالحوارات نفسها. فالسيناريو ينبغي أن نسميه «مرحلة نحو الفيلم».

الاتحاد الاشتراكي - 3/18/2016

 
"أفراح صغيرة" وآمال كبيرة

 

بقلم محمد مفتكر ترجمة: س.م

هناك أفلام تشبه حيزا من الحياة ينفتح طرفاه على اللامنتهي الأبدي. فمشاهدها الأولى ليست هي البداية، ومشاهدها الأخيرة ليست أبدا هي النهاية. تدخل إليها في أي لحظة وتشارك فيها كما لو أنك لم تضيع شيئا. وحين تغادر القاعة المظلمة ينتابك إحساس مر بكونك تركت جزءا منك وحياةً تستمر، للأسف، في غيابك. هذا النوع من الأفلام هادئ، يسحرك، ينزع سلاحك، ويحضنك بين ذراعيه مثل عشيقة ناعمة حنونة. تستسلم لجمالها منذ النظرة الأولى وتسقط في غرامها دون أن تدري. وفيلم «أفراح صغيرة» لمخرجه شريف طريبق واحد من تلك الأفلام.

فيلم «أفراح صغيرة» عبارة عن مجموعة من الحكايات الصغيرة محكية وسط عالم نسائي، مصورة بواسطة كاميرا متسللة داخل حميمية نسائية، يشاهدها رجل خجول متكتم ومختف. هذا الفيلم لا يستفزك بل على العكس يطمئنك ويقودك بدون اصطدام داخل هذا العالم شبه الخرافي من البداية وحتى النهاية. وأنت كمشاهد تتابعه دون تحفظ متعطشا لمعرفة المزيد. وتتحول طيلة هذه الرحلة، إلى ذلك الطفل البريء المسموح له بدخول هذا العالم النسوي والبقاء فيه ما دمت هادئا ولطيفا. ومثل صاحب الفيلم تراقب هذه الحياة النسوية عن بعد بلياقة وبدون أية أحكام. فالكاميرا تبقى بعيدة ومختفية، وغير متحركة طيلة الوقت، لأنها هي عين الملاحظ الذي لا يريد أن يعرف بوجوده أحد. لا تنسوا أيها السادة أننا في حضرة النساء.. فوجود رجل عند النساء، كلما كان مختفيا، كلما أمكنه البقاء أكثر، وكلما رأى أكثر. فأدنى تدخل أو حركة خاطئة من جانبه سيعاقب عليها ويرمى به نحو الخارج. ولقد فهم مخرج الفيلم ذلك، يريد أن يبقى في هذا المكان أطول مدة ممكنة ونحن معه. 

لا نحس بمصادر الإنارة في كل مشاهد هذا الفيلم التي صورت في مجملها بكاميرا واحدة «عيار 32 ملم» إلى درجة تعتقد معها أنك أمام واقع مصور كما هو. زوايا تصوير المشاهد محايدة لكنها منتقاة بعناية. كل المشاهد ثابتة، لا حركة للكاميرا تزعج هذا التوازن. لا وجود لموسيقى مصاحبة للفيلم تبحث عن تكثيف ردود فعل الممثلين أو تجميل الأشياء بشكل مصطنع، خارج ما يغنيه الشخوص في مختلف الاحتفالات. والمخرج لا يخاف من أخطائه، بل على العكس يتبناها ولا يريد إخفاءها، خلافا لأفلام أخرى التي تغرقنا في الموسيقى كلما نزلت وثيرة الفيلم أو كلما لم يعد لديهم ما يحكونه. بالنسبة للصوت، هناك فقط ما يجب وحيث ما يجب، لا أقل ولا أكثر. وحركة الممثلين الأساسيين هادئة ومضبوطة وبدون مبالغة. الديكور متناغم، تم تصوره بعناية وينسجم تماما مع الأكسيسوارات، دون السقوط في الابتدال. الملابس مصنوعة بعناية لإبراز الحلم من غير السقوط في الفولكلوري أو السياحي. فالملابس تنسجم تماما مع الديكور كما لو أنهما يشكلان كلا متناغما. أما المونتاج فهو بسيط بل يمكن القول إنه محايد. فهو لا يتدخل ليفرض قراءة معينة. إنك تحس بأنك مرتاح وأنت تشاهد هذا الفيلم، وبأنك غير موجه بل تحس أنك حر. فلا أحد يجبرك على القراءة في هذا النحو أو ذاك .

فيلم «أفراح صغيرة» فيلم مغربي يحكي مشاهد من داخل المغرب وسط أجواء هادئة مألوفة لديك وتداعبك. إنه فيلم «عاطفة « بالمعنى الدقيق للكلمة. فهو ليس لا «فيلم حركة» ولا «فيلم تفكير « . وقد كان هذا اختيار المخرج مند البداية، وقد تحمل اختياره بشجاعة . وهو أيضا فيلم يركب المخاطرة، مخاطرة أن يكون بسيطا وبدون أوهام، مخاطرة عدم تأسيس حكيه على لغز مصطنع أو على ممثلين مشهورين قد يتسببون في تتفيهه في أية لحظة . و«الهفوات» البسيطة لا تنقص شيئا من جماليته، بل على العكس تجعله أكثر روعة. ولأن هذا الفيلم لا يدعي أنه ضخم وقوي، فإنه أصبح متاحا لي بسهولة. وهذا ما يجعل منه فيلما هشا، فيلما طفوليا.. فيلما مؤثرا بصدقه وقوي بهشاشته ومستفز بتكتمه .

وبالرغم من مظهره البسيط، فإنه فيلم صعب الإنجاح. ذلك أن خيطا رفيعا فقط يفصل هذا الفيلم عن الابتذال، وعن الصورة النمطية، وعن تصنيفه كفيلم من الدرجة الدنيا، لكنه لا يسقط فيها. بالنسبة لي، هذا الفيلم يؤسس لشيء ما. وعدم رؤية ما حاول الشريف الطريبق التعبير عنه في هذا الفيلم يعني بكل بساطة إخفاء الوجه وإظهار عدم الكفاءة والاستيلاب القاتل للغرب الذي لا يريد أن يرى فينا سوى ذلك الغرائبي، الجاهل والبئيس. لقد خرجت من هذا الفيلم وأنا فخور بكوني مغربيا وفخور بالانتماء لبلد وثقافة عريقة، راغب في معانقة الحياة وامتلاك اللحظة الراهنة، متأسفا لكون الفيلم لم يدم وقتا أطول. عدت إلى الفندق وأنا أفكر بمسحة حزن طفولي بأنني تركت ورائي هؤلاء النسوة المليئات بالحياة وجزء مني في مكان ما في «منزل العجائب» هذا حيث تمنيت لو بقيت فيه لمدة أطول. فلا يمكن أن تغادر بسهولة وبدون أسف حريما رائعا حيث كنت مغمورا بحنان مثل طفل تحكي له حكاية رائعة قبل النوم.

الفيلم إما أن يوجد أو لا يوجد. بالنسبة لي هذا الفيلم موجود لأنه جزء صغير من الحياة سيتم احترامه حيثما يذهب. ولهذا السبب أحبه هكذا دون شروط. وهذا يحدث أحيانا.

الاتحاد الاشتراكي - 3/18/2016

 
<< البداية < السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالي > النهاية >>

الصفحة 8 من 53
تقييمكم للدورة الأخيرة لمهرجان فيلم الهواة
 
قدمت جمعية الفن السابع بسطات يوم الخميس
المزيـــد »
في إطار الاستعداد للدورة الحادية عشرة م
المزيـــد »
مهرجان وجدة الوطني لفيلم الهواة يكشف عن
المزيـــد »
Document pdf rassemblant l'ensemble des sommes octroyées par la comissi
المزيـــد »


  2013 - 1990 جمعية الفن السابع - جميع الحقوق محفوظة Designed By Meduse Innovation